الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي

419

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية

نأكل منه ، فإن كل ما جعل في مثل هذه الأحوال لا خير فيه ولا بركة ، بل يجد الشيطان فيه سبيلا فكيف ينتج . ولما توجه إلى هراة صنع الملك حسين - رحمه اللّه - وليمة عظيمة دعا إليها أعيان مملكته ، ومشايخ حضرته وعلمائها احتفاء به - قدس اللّه سره - ، ووقف بنفسه على المائدة ، وقال : كلوا من هذا الطعام ، فإنه حلال اتخذته من ميراثي من أبي ، وأنا ضمين عهدته يوم القيامة ، فابتدروا يأكلون والشيخ لم يمدّ يده ، فالتفت إليه شيخ الإسلام قطب الدين رحمه اللّه ، وكان قدوة أهل زمانه ، وقال له : لم لم تأكلوا ، فقال له : إن لي حاكما عرضت عليه هذه القضية ، فقال : لك فيها وجهان ! إن لم تأكل وسألوك تقل : حضرت سفرة الملك ، ولم آكل ، وإن أكلت وسألوك : لم أكلت ، فما ذا تقول ؟ فتأثر شيخ الإسلام من هذا الكلام تأثرا عظيما ، وحصل له حال غريب ، وأمسك عن الطعام ، وطلب من السلطان أن يسامحه منه ، فتحير الملك ، وقال له : وما نصنع بهذه الأطعمة ؟ قال : حتى نسأل حضرة البهاء ، فقال - قدس اللّه سره - : إن كان فيه شبهة فمصرفه الفقراء ، وإن كان حلالا فلا شك أن في هراة كثيرا ممن له أشد الاحتياج إلى لقمة واحدة منه ، فينبغي أن يصرف إليهم ، فعجب الحاضرون منه - قدس اللّه سره - . وكان في سرخس « 1 » فأرسل الملك حسين - رحمه اللّه - إليه رسولا ومعه كتاب فيه : إنا مشتاقون لصحبة الفقراء فما ذا تأمرون ؟ - وكانت عادته لا يذهب إلى الملوك - ولكن رأى أنه يحصل بمجيء الملك إلى سرخس وطوس زحمة عظيمة على الناس ، فرحمة بهم توجه إلى هراة ، فلما وصل إليها نزل في زاوية سيدنا الشيخ عبد اللّه الأنصاري - رضي اللّه عنه - ، فوجد الملك والخدم والحشم والأعيان والعلماء جميعا ينتظرونه ، فاستقبلوه أعظم استقبال ، وأدخله الملك إلى داره وجلس بين يديه ، وبعد برهة وضعوا مائدة عظيمة جامعة لأفخر

--> ( 1 ) سرخس : مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة واسعة ، وهي بين نيسابور ومرو في وسط الطريق . « معجم البلدان » ( 3 / 208 ) .