الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي

38

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية

ذكرتك فلست معه في خلوة . وشرط هذه الخلوة أن يذكر بنفسه وروحه لا بنفسه ولسانه . الثاني : أن تكون خلوتهم لصفاء الفكر ليصح نظرهم في طلب المعلومات ، وهذه لقوم يطلبون العلم من ميزان العقل ، وذلك الميزان في غاية اللّطافة ، وهو بأدنى هوى يخرج عن الاستقامة ، وطلاب طريق الحق لا يدخلون هذه الخلوة ، بل خلوتهم بالذكر وليس للفكر عليهم سلطان ، ومهما وجد الفكر طريقا إلى صاحب هذه الخلوة فليعلم أنّه ليس من أهلها فيخرج منها ، وأنّه ليس من أهل العلم الصحيح الإلهي ، إذ لو كان من أهله حالت العناية الإلهية بينه وبين دوران رأسه بالفكر « 1 » . الثالث : خلوة لدفع الوحشة من مخالطة غير الجنس والشغل بما لا يعني . الرابع : خلوة تطلب زيادة توجد فيها . وخلوة حضرة الرسالة من النوع الأول ، فكان بعيدا من المخالطات حتى من الأهل والمال ، واستغرق في بحر الأذكار القلبية فانقطع عن الأضداد بالكلية ، وظهر له الأنس والجلوة بتذكر من له الخلوة ، ولم يزل في ذلك الأنس ، ومرآة الوحي تزداد من الصفا والصقال حتى بلغ أقصى درجات الكمال والمراد ، فظهرت تباشير صبح الدجا وأشرقت وانتشرت

--> ( 1 ) قوله ( بالفكر ) : وذلك لأنّ العقل آلة كالبصر في المحسوسات ، وكما ثبت خطأ البصر في إدراكه للموجود المحسوس ، لحكمه بصغر النجم ، ووقوف الظل ، وسكونه ، فمن باب أولى إثبات الخطأ للعقل في المدركات المعنوية التي لا تخضع لسلطان الحواس ، لأنّ من المسلّم أنّ ما لا يخضع لسلطان الحواس لا مجال للعقل في إدراكه وتصور ماهيته على ما هو عليه كالروح مثلا ، بل تحتاج إلى مصدر غيبي يكشف حقيقتها وهو الوحي . ثم العقول تتفاوت في الإدراك ، فتحتاج إلى ضابط يضبط ثمراتها والحكم عليها بالصحة أو الخطأ ، وهذا الضابط والميزان الذي تحتكم إليه العقول إنما هو الشرع الموحى به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ترك العقل في هواك رجال * ما لعقل في سناك مجال . ( ع )