الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
364
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
وقال الشيخ أبو سعيد الخراز « 1 » رضي اللّه عنه : ليس الكامل من صدر عنه أنواع الكرامات ، وإنما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ، ويتزوج ويختلط بالناس ، ولا يغفل عن اللّه لحظة واحدة : بقلبك كن بالحب منصبغا وكن * بظاهرك المشهود في زي أجنبي وهذا طريق نادر عز أهله * على أنهم فازوا بأعذب مشرب وقال سيدنا الإمام الرباني قدس سره : قوله : خلوة در انجمن ، متفرع عن سفر در وطن ، لأنه متى تيسر السفر في الوطن تيسرت الخلوة في الجلوة ، فيسافر في تفرقة الجلوة في وطن الخلوة ، فلا تجد تفرقة الآفاق إلى حجرة الأنفس سبيلا ، وهذه الخلوة وإن كانت متيسرة لكل منته في سائر الطرق أيضا ، لكن لما كانت متيسرة في ابتداء هذا الطريق ، صارت من خصائصه . ومما ينبغي أن يعلم أن الخلوة في الجلوة إنما تحصل إذا كانت أبواب خلوة وطن القلب مغلقة ، وطاقاتها مسدودة ، يعني لا يلتفت في الجلوة إلى أحد ، ولا يكون متكلما ولا مخاطبا ، لا أنه يغمض عينيه ويعطل الحواس بالتكلف ، فإنه ينافي هذا الطريق ، نعم يا أخي ! يحتاج السالك لهذا التكلف والتمحل في الابتداء والوسط ، وأما في الانتهاء فلا ، بل يكون فرقه جمعا وغفلته حضورا ، ولا يتوهم من ذلك أن التفرقة وعدمها في نفس جمعية باطنه سيان ، هذا ومع ذلك لو جمع الظاهر مع الباطن ودفع التفرقة عن الظاهر أيضا كان أولى وأنسب ، قال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [ المزمل : 8 ] . وينبغي أن يعلم أنه لا بد من تفرقة الظاهر في بعض الأوقات لأداء حقوق الخلق ، وهي مستحسنة في بعض الأحيان ، وأما تفرقة الباطن فلا تجوز في
--> ( 1 ) أبو سعيد الخراز : أحمد بن عيسى ( 000 - 279 ه ) من أهل بغداد . صحب ذا النون المصري وغيره . وهو من أئمة القوم وجلة مشايخهم . قيل : إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء . أسند الحديث . « طبقات الصوفية » ( ص 228 ) .