الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
363
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
بيت خال عن الناس ، وقعوده فيه ليحصل له الاطلاع في عالم الملكوت ، لأن الحواس الظاهرة متى احتبست عن أحكامها ، انطلقت الحواس الباطنة لمطالعة آيات الملكوت . والنوع الثاني : خلوة في الباطن : وهي التي أشار إليها الشيخ بقوله : خلوة در انجمن ، أي الخلوة في الجلوة ، لأن معنى انجمن : جمعية الناس ، والمراد بها عندهم أنه ينبغي أن يكون قلب السالك حاضرا مع الحق ، غائبا عن الخلق مع كونه بينهم ، فحينئذ تكون هذه الكلمة بمعنى المراقبة . وقيل : هي كناية عن كون الذاكر مستغرقا في الذاكر القلبي ، بحيث إذا دخل السوق لم يسمع أصوات الناس ، بسبب استيلاء الذكر على حقيقة القلب . وقيل : هي كناية عن استيلاء النسبة العلية ، بحيث لا ينافيها معية الخلق ، ولا يضرها المعاملة معهم ، وهذه هي الخلوة الحقيقية ، كما أشار إليه تعالى بقوله : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النور : 37 ] ، وهي خاصة بالطريق النقشبندي ، لأن أربابها لا يختلون بالخلوة الظاهرة ، وإنما خلوتهم من حيث الباطن عند جمعية الناس ، كما قال سيدنا ومرشدنا الشيخ بهاء الدين قدس اللّه سره العزيز : الشهرة في الخلوة ، وفي الشهرة الآفة ، والخير في الجمعية ، والجمعية في الصحبة ، بشرط أن تكونوا فانين بينكم . وقال سيدنا الشيخ عبيد اللّه أحرار : لو ذكر السالك بجد واهتمام يصل في نحو خمسة أيام إلى أن يسمع جميع الأصوات والحكايات ، حتى كلام نفسه ذكر اللّه تعالى ، وإنما اختاروا هذه الخلوة اتباعا للسنة ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اختار الجمعية على الخلوة ، وقال : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لم يخالط الناس » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث ( المؤمن الذي ) : أخرجه أحمد ، والبخاري في الأدب ، والترمذي ، وابن ماجة . بلفظ قريب . « الجامع الصغير » ( رقم 9154 ) .