الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي

19

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية

ثم السالكون على قسمين : سالك مجذوب ، ومجذوب سالك . فالأول يشهد الآثار ثم يستدل بها على الأسماء ويستدل بالأسماء على ثبوت الأوصاف ، وبثبوت الأوصاف على وجود الذات لأنه محال أن يقوم الوصف بنفسه « 1 » وهذا شأن العموم ، وأكثر ما في الكتاب والسنة يشير إلى ذلك كقوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ [ آل عمران : 190 ] . والثاني « 2 » يشهد الذات أولا وينكشف له ما يليق باستعداده ، ثمّ يردّ إلى شهود الصفات ، ثمّ يرجع إلى التعلق بالأسماء ، ثمّ إلى شهود الآثار ، عكس ما كان السالك الأول عليه ، فنهاية السالك المجذوب بداية المجذوب السالك لا بمعنى واحد ، فإن مراد السالك المجذوب شهود الأشياء للّه تعالى ، ومراد المجذوب السالك شهود الأشياء باللّه تعالى ، فالأول عامل بتحقق الفناء والمحو ، والثاني مسلوك بطريق البقاء والصحو ، ولما كان شأن الفريقين النّزول في تلك المنازل المذكورة لزم منه التقاؤهما في السير هذا في الترقي وهذا في التدلي . ومن هنا تعلم أن المجذوب السالك أعلى من السالك المجذوب لاشتراكهما في العبور في المنازل ، وزيادة المجذوب بأنه يشهد الأشياء باللّه تعالى ، وهذا أعلى ممن يشهدها للّه تعالى كما لا يخفى . وأيضا إنّ السالك المجذوب ينتهي إلى الفناء ، وهذا ينتهي إلى البقاء والصحو بعد الفناء ، وهذا أكمل من الأول ، لأنه مقام الأنبياء ووارثيهم من المرشدين المكملين ، إذ مقام الإرشاد لا يصح إلّا لمن تحقق بالبقاء بعد الفناء ،

--> ( 1 ) قوله : ( الوصف بنفسه ) : هذا مضمون حكمة عطائية وهي : دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه ، ودلّ بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه ، ودلّ بثبوت أوصافه على كمال ذاته ، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه . ( ع ) ( 2 ) قوله ( والثاني ) : مثال الأول : الذي يستدل بالنهار على وجود الشمس وإن لم يرها . ومثال الثاني : الذي يشهد الشمس فيستدل بها على ثبوت النهار بها . ( ع )