السيد محمد باقر الخوانساري

123

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات

وقيل إنّه تصفية القلوب عن موافقة البريّة في رسومهم ، ومفارقة الأخلاق الطبعيّة بتبديلها وإزالة الانحرافات عنها ، وتقويمها على الأوساط من غير إفراط وتفريط ، وإخماد الصّفات البشرية بالمجاهدات والرّياضات ومنازلة الصّفات الرّوحانية ، والتّشبه بالملائكة في دوام الطّاعة وترك المعصية ، والتعلّم بعلوم الحقيقة التّى هي لا تزول بزوال الدّنيا ، وهي العلم باللّه وبكمالاته واتّباع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله في الشّريعة وموافقة الوصىّ والولىّ في الطّريقة ، وهي مناط خيره وهذا القول أجمع من الأوّل . ومن جملة ما ذكره ذلك المتصوّف المبرور في ذيل ترجمة حديث سعيد بن المسيّب ، عن أنس أنّه قال له رسول اللّه : يا بنىّ إن قدرت أن تصبح وتمسى ، وليس في قلبك غشّ لاحد فافعل ثم قال : يا بنىّ وذلك من سنّتى ومن أحيا سنتي فقد أحياني ، ومن أحياني كان معي في الجنة . فالصّوفية المتشرّعون هم الّذين أحيوا هذه السّنة ، وطهّروا الصّدور من الغشّ الّذى هو خلاف النّصح ، ومن الغلّ الّذي هو الحقد ، وإنّما قدروا على ذلك لزهدهم في الدّنيا ومالها وجاهها ، ومحبة المنزلة والرّفعة عند النّاس ، فيا مسكين لا تطلب المنزلة عند اللّه وأنت تطلب المنزلة عند النّاس فالصّوفية المتشرّعون زهدوا في ذلك ، كما قال بعضهم طريقتنا هذه لا تصلح الّا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل ، فلمّا سقط عن قلبهم محبة الدنيا وحبّ الرفعة أصبحوا وأمسوا وليس في قلبهم غشّ لأحد ، وصارت قلوبهم صافية ناصحة مشفقة على الخلائق . ونقل أيضا عن الشّيخ ذي النّون رأيت ببعض ساحل الشّام امرأة كانت من العارفات ، فقلت لها : من أين أقبلت ؟ فقالت : من عند أقوام تجافى جنوبهم عن المضاجع ، ذكرتهم بالتّيقظ والجدّ والعبادة الّتي هي من أوصافهم ، وما ذكرتهم بأنسابهم لانقطاع الأنساب يوم القيامة قلت لها وأين تريدين ؟ قالت : إلى رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ . فقلت صفّيهم فأنشأت لي :