السيد محمد باقر الخوانساري
147
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات
البهلول المطبّق أوقاته طول حياته لشدّة التقيّة في زمانه الّذى هو إلى أواخر زمن المتوكّل الملعون بخلافها في زمن الصادقين عليهما السّلام كما لا يخفى . وله مناظرات طريفة ومباهات لطيفة مع أبي حنيفة ، وغيره أيضا منقولة في « المجالس » وغيره . منها أنّه سمع يوما إلى أبي حنيفة يذكر لأصحابه أنّ من مقالة جعفر الصادق عليه السّلام ثلاثة لا أقبلها منه يقول : إنّ الشيطان يعذّب بالنار مع أنّ خلقته منها ، ولا يتأذّى الشيء بما هو من سنخه ، ويقول : بنفي الرؤية عن اللّه مع أنّه شئ موجود لا بدّ فيه من الرؤية ، ويقول : باستناد أفعال العباد إلى أنفسهم والنصوص على خلافه فالهم بهلول في جوابه عن كلّ ذلك بأن أخذ مدرة من الأرض وضرب بها وجه أبي - حنيفة بحيث قد شجّه وأدماه فتبعه القوم إلى أن وقعوا عليه وأتوا به إلى دار الخليفة رعاية لنسبته منه ، ومعهم أبو حنيفة فالتفت بهلول إليه في محضر الرشيد . قال : ما أشهدك في هذا المقام للشكاية منّي ، فقال أبو حنيفة : ألم أصابني من رميتك إليّ فقال : وأين هذا الألم الّذى تدّعيه ، وليس بمبصر فيك . ثمّ كيف أنت تأذيت من مدرة وأصلك من تراب . ثمّ كيف نسبتها إليّ ، وكان الأمر بيد غيرى . فبهت أبو حنيفة ، وعرف أنّه لم يرد بذلك إلّا جواب تشكيكاته وقام من المجلس منكوبا . ومنها أنّ الوزير قال له يوما : يا بهلول طب نفسا فإنّ الخليفة ولاك على الخنازير والذئاب . فقال : إذا عرفت ذلك فالزم نفسك كي لا تخرج عن طاعتي وولايتي فضحك الحاضرون وخجل الوزير . وقيل له يوما وهو في البصرة : عدّ لنا مجانين البلد . فقال : كيف وهم لا يحصون . فإن شئتم اعدّد لكم العقلاء . ودخل ذات يوم على الرشيد وهو يتنزّه إلي بعض عماراته الجديدة . فسأله أن يكتب شيئا عليها . فأخذ بهلول فحمة وكتب بها على بعض الجدران : رفعت الطين ، ووضعت الدين . رفعت الجصّ ، ووضعت النصّ ، فإن كان من مالك فقد أسرفت