السيد محمد باقر الخوانساري

148

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات

واللّه لا يحبّ المسرفين ، وإن كان من مال غيرك . فقد ظلمت ، واللّه لا يحبّ الظالمين . وعن الفضيل قال : دخلت الكوفة ، وأنا أريد الحجّ إلى بيت اللّه الحرام ، وإذا بهلول جالس بين قبرين قديمين . فقلت له : يا بهلول ما جلوسك ههنا ؟ قال : يا فضيل أما ترى هذه الأعين السائلة والمحاسن البالية ، والشعور المتمعّطة ، والجلود المتمزّقة ، والجماجم الخاوية ، والعظام النخرة لا يقاربون بالأنساب ، ولا يتواصلون تواصل الأحباب ، وكيف يتواصل من قد طحنتهم كلاكل البلاء ، وأكلت لحومهم الجنادل في الثرى ، وخلت منهم المنازل . والقرى قد صارت غابسة بعد نظرتها ، والعظام نخرة بعد قوّتها . تجرّ عليهم الرياح بذيولها ، وتعصّب عليهم السماء بسيولها ثمّ إنّه بكى وجعل يقول : تناديك أحداث وهنّ صموت * وأربابها تحت التراب خفوت فيا جامع الدنيا حريصا لغيره * لمن تجمع الدنيا وأنت تموت قال الفضيل : وإذا بهاتف يسمع كلامه ، ولا يرى شخصه . وهو يقول : ملوّا الأحبّة زورتى فجفيت * وسكنت في دار البلاء ونسيت وكذاك يسى كلّ من سكن الثرى * وتملّه الزوّار حين يموت قال الفضيل : فوقع بهلول مغشيّا عليه . فتركته وانصرفت . وحكى عن الفضل بن الربيع قال : حججت مع هارون الرشيد . فلمّا صرنا بالكوفة ، وكنّا في طاق المحامل إذا نحن ببهلول المجنون قاعد يلعب بالتراب فابتدر إليه الخدم . فطردوه فأسرعت إليه ، وقلت : هذا أمير المؤمنين قد أقبل . فلمّا حاذاه الهودج قام قائما ، وقال : يا أمير المؤمنين حدّثني أيمن ابن نابل قال : حدّثنى قدامة بن عبد اللّه . قال : رأيت النبىّ صلّى الله عليه وآله بمنى على جمل أحمر تحته رحل رثّ ، ولم يكن ضرب ، ولا طرد . فقلت : يا أمير المؤمنين إنّه بهلول المجنون . قال : قد عرفت قال : قل وأوجز . فقال : هب إنّك قد ملكت الأرض طرّا * ودان لك العباد فكان ما ذا ألست تصير في قبر ويحثو * عليك ترابه هذا وهذا