صديق الحسيني القنوجي البخاري

367

أبجد العلوم

المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع وهذا علم أكثر النظار والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة . واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا فما طلب اعتقاده فالكمال في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف وما طلب عمله من العبادات فالكمال فيها في حصول الاتصاف والتحقيق بها ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة قال صلّى اللّه عليه وسلم في رأس العبادات « جعلت قرة عيني في الصلاة » فإن الصلاة صارت له صفة وحالا يجد فيها منتهى لذته وقرة عينه وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ اللهم وفقنا و اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . فقد تبين لك من جميع ما قررنا أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري للنفس هو التوحيد وهو العقيدة الإيمانية وهو الذي تحصل به السعادة وإن ذلك سواء في التكاليف القلبية والبدنية ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف وينبوعها هو بهذه المثابة ذو مراتب : أولها : التصديق القلبي الموافق اللسان . وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل مستولية على القلب فيستتبع الخوارج وتندرج في طاعتها جميع التصرفات حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني . وهذا ارفع مراتب الإيمان وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » وفي حديث هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأحواله فقال في أصحابه : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه قال : لا ، قال : وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . ومعناه أن ملكة الإيمان إذا استقرت عسر على النفس مخالفتها شأن الملكات إذا استقرت فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة ، وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان ، وهي في المرتبة الثانية من العصمة لأن العصمة واجبة للأنبياء وجوبا سابقا ، وهذه حاصلة للمؤمنين حصولا تابعا لأعمالهم وتصديقهم ، وبهذه الملكة ورسوخها يقع