صديق الحسيني القنوجي البخاري

144

أبجد العلوم

صورة الحية ، فإذا استيقظ وهو لم يعلم من أمره إلا أنه رأى البحر أو الحية ، فينظر المعبر بقوة التشبيه بعد أن يتيقن أن البحر صورة محسوسة ، وأن المدرك وراءها ، وهو يهتدي بقرائن أخرى تعين له المدرك فيقول مثلا : هو السلطان لأن البحر خلق عظيم يناسب أن يشبه به السلطان ، وكذلك الحية يناسب أن تشبه بالعدو لعظم ضررها ، وكذا الأواني تشبه بالنساء لأنهن أوعية ، وأمثال ذلك ومن الرؤيا ما يكون صحيحا لا يفتقر إلى تعبير لجلائها ووضوحها أو لقرب الشبه فيها بين المدرك وشبهه . ولهذا وقع في الصحيح ( الرؤيا ثلاث : رؤيا من اللّه ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان ) ، فالرؤيا التي من اللّه هي الصريحة التي لا تفتقر إلى تأويل ، والتي من الملك هي الرؤيا الصادقة التي تفتقر إلى التعبير ، والرؤيا التي من الشيطان هي الأضغاث . واعلم أيضا أن الخيال إذا ألقي إليه الروح مدركه فإنما يصوره في القوالب المعتادة للحس ما لم يكن الحس أدركه قط فلا يصور فيه ، فلا يمكن من ولد أعمى أن يصور له السلطان بالبحر ولا العدو بالحية ولا النساء بالأواني لأنه لم يدرك شيئا من هذه ، وإنما يصور له الخيال أمثال هذه في شبهها ومناسبها من جنس مداركه التي هي المسموعات والمشمومات وليتحفظ المعبر من مثل هذا فربما اختلط به التعبير وفسد قانونه . ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبني عليها المعبر عبارة ما يقص عليه وتأويله كما يقولون البحر يدل على السلطان ، وفي موضع آخر يقولون البحر يدل على الغيظ ، وفي موضع آخر يقولون البحر يدل على الهم والأمر الفادح . ومثل ما يقولون الحية تدل على العدو ، وفي موضع آخر يقولون هي كاتم سر ، وفي موضع آخر يقولون تدل على الحياة ، وأمثال ذلك فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية ويعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعين من هذه القوانين ما هو أليف بالرؤيا . وتلك القرائن منها في اليقظة ومنها في النوم ، ومنها ما ينقدح في نفس المعبر بالخاصية التي خلقت فيه ، وكل ميسر لما خلق . ولم يزل هذا العلم متناقلا بين السلف وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر