صديق الحسيني القنوجي البخاري
134
أبجد العلوم
المعارف وأمثالهم . وجمع الغزالي رحمه اللّه بين الأمرين في كتاب الإحياء فدوّن فيه أحكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط ، وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك . ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والاطلاع على علم من أمر اللّه ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها ، والروح من تلك العوالم وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح ، وغلب سلطانه ، وتجدد نشوه ، وأعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح ولا يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما . ويكشف حجاب الحس ويتم وجود النفس ، والعلوم اللدنية ، والفتح الإلهي وتقرب ذاته في تحقق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة . وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع إرادتهم . فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعودون منه إذا هاجمهم . وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم تقع لهم بها عناية ، وفي فضائل أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي اللّه عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم . ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والمدارك التي وراءه واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية ، وتغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ ، وأنهم اكتشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائقها كلها من العرش إلى الطش هكذا قال الغزالي في كتاب الإحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة .