صديق الحسيني القنوجي البخاري
135
أبجد العلوم
ثم إن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لأن الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة وإن لم تكن هناك استقامة كالسحرة والنصارى وغيرهم من المرتاضين ، وليس مراده إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة ومثاله أن المرأة الصقلية إذا كانت محدبة أو مقعرة وحوذي بها جهة المرئي فإنه يتشكل فيه معرجا على غير صورته وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرأة فيما ينطبع فيها من الأحوال ، ولما عنى المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية ، وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي وأمثال ذلك وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك ، وأهل القياس بين منكر عليهم ومسلم لهم وليس البرهان والدليل بنافع في هذه الطريق ردا وقبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات ، وربما قصد بعض المصنفي بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح ، فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه ، إن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الأحدية وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير ويسمون هذا الصدور بالتجلي وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه ، وهو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد والظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني » « 1 » . وهذا الكمال في الإيجاد المتنزل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الأنبياء والرسل أجمعين . والكمال من أهل الملّة المحمدية وهذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائية وهي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب .
--> ( 1 ) ذكره بلفظ : « كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا » : السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ( 126 ) ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة ( 273 ) والفتني في تذكرة الموضوعات ( 11 ) . وروي أيضا بألفاظ أخرى ، منها : « كنت كنزا لا يعرف » ومنها اللفظ المذكور هنا .