صديق الحسيني القنوجي البخاري
97
أبجد العلوم
مجلدا وسماه ( العلم ) فثبت أن العلماء لهم المحل الأسنى ؛ وآدم عليه السلام لمّا ألهمه اللّه تعالى الأسماء وجعل له تلك الحالة رفعه على الملائكة وله حالة الرئاسة على الملائكة حالة إنبائهم كالحالة التي تثبت للشيخ على التلميذ . فلما صارت له تلك الفضيلة وبلغ تلك المنزلة عظم على الملائكة وأمرهم اللّه سبحانه بالسجود له ، لأنه قد صار له حق المشيخة وإن كانت ماهية الملائكة أشرف وصفاتهم أعلى وأفضل من صفات الآدمي إلا أن هذه حالة خاصة ولا مانع من أن يأمر اللّه سبحانه بعض خلقه بالسجود لبعض . ولا فائدة للتمحلات لأن المنهي عنه وهو السجود لغير اللّه سبحانه إنما هو في شريعته صلّى اللّه عليه وسلم لوقوعه في شرع من قبله كسجود يعقوب وزوجته ليوسف عليهم السلام حين دخلا عليه كما حكاه اللّه سبحانه . ولو سلمنا أنه منهي عنه في كل شريعة فهذا خاص لكون الآمر به هو اللّه سبحانه وتعالى وهو الباعث للرسل والموجب للشرائع وقد حكاه عن نفسه ، ولا فائدة فيما قيل : إنه إنما جعل آدم قبلة لهم لأنه ينافيه قوله : اسْجُدُوا لِآدَمَ ولو كان كذلك لقيل لهم : اسجدوا إلى آدم . وكذا إنما أمروا بالسجود للّه ولكن نسب إلى آدم ، وهذا ينافيه اللفظ أيضا . وبالجملة فكأن السجدة له عليه السلام تعظيما لعلمه . وقد اختلف في كيفية التعليم فقيل : بالاستعداد والإلقاء من اللّه تعالى إليه . وقيل : بالإلهام ويدل عليه قوله تعالى في داود : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ فإنه ألهمها إلهاما لا تعليما حقيقة . والذي يظهر لي أنه أطلعه اللّه سبحانه على اللوح المحفوظ لأن فيه كل ما كان وما سيكون ، فجميع الأسماء والأشياء فيه وصفاتها وأحوالها ، فطبق تلك الكيفية التي رآها في اللوح على المسميات . وقد قال تعالى : فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ أو أنه خلق له قدرة يقتدر بها على التعبير عن تلك الأمور عند الأمر له بإنباء الملائكة ، ويكون معنى ( علّم ) أقدر . وهذا مما يدل أكمل دلالة على أن علم اللّه تعالى لا نسبة بينه وبين علم مخلوقاته ، وعلى أن علم المخلوق ولو بلغ الغاية القصوى والنهاية العليا لا يدرك كنه الأمور ولا ينكشف له المصالح كلية الانكشاف . وبهذا تعرف قدر الشيخ ، وأنه لما صارت له تلك الفضيلة وهي العلم كان الجزاء فيه السجود ، وإن كان التلميذ شريفا في النسب فإن شرف التعليم له زائد على شرفه ، كما كان ابن عباس يمسك بركاب شيخه وكان ينام في بابه ينتظر لخروجه حتى يطير عن ثوبه التراب الذي تلقيه الرياح . وكذلك أمسك الإمام أحمد ركاب الشافعي . فيجب على التلميذ أن يجل الشيخ ويعظمه لما أسدى إليه ، ولا يكفر نعمته فيهلك كإبليس لما أذنب هلك ، وأقل أحوال هلاك التلميذ ذهاب رونق علمه وعدم قبول فائدته مع تغير أحوال الدنيا عليه ، وكم شاهدنا . وكفى بهذا دليلا فإن الملائكة