صديق الحسيني القنوجي البخاري
98
أبجد العلوم
عليهم السلام لما عرفوا الأسماء ثبت لآدم عليه السلام ذلك الحق عليهم بعد أن كان عندهم لا يصلح للخلافة فصار صالحا للإفادة . وأبى اللّعين فكان سبب هلاكه وهلاك ذريته ومن تبعه لأنه أصر على ما ظهر له أنه الصواب . وإبليس وإن كانت ماهيته غير ماهية الملائكة وهو من الجن لكنه أطلق عليه ذلك الاسم ودخل في مسماهم وعوقب على عدم الامتثال لكونه قد صارت له أحوال الملائكة وقرب كقربهم ، وأودع فيه من النور ما شابه به الملائكة . فلما أصرّ واستكبر وعاد إلى الماهية الأصلية نال ما نال وعوقب بما عوقب . وهذا أحسن ما تفسر به الآية الكريمة . وإن كان قد قيل في تفسيرها أمور أخر كلها صرف اللفظ عن ظاهره بغير قرينة ولا مرجّح ، وما جعلوه مانعا من أن الملائكة لم يقع منهم الاستنكار وإنما هو على جهة العرض يأباه قطعهم بأن آدم وذريته سيفسدون ويسفكون الدماء . فهذا مما يبين أن كل مخلوق لا بدّ له من الخطأ ، فإن الملائكة قد قص اللّه علينا أمرهم هذا ، والأنبياء كذلك . وكل ذلك إنما وقع منهم في الاجتهادات لا في الأوامر والتشريعات ، فلما وقع ذلك منهم وقد ثبتت لهم العصمة نبهوا على الخطأ ، فقد وقع ذلك لسيد ولد آدم وخير الخلق وأقربهم إلى اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ونبّه ، وكذا الملائكة . وكفى بهذا رادعا وزاجرا للعلماء عن إثبات الشريعة بالرأي والقياسات الواهية غير ما كانت علّته منصوصة أو منبها عليها . وأما فحوى الكتاب وقياس الأول فهو داخل في مفهوم اللفظ ليس من باب القياس ، وإنما القياس الممنوع الذي يكون باعتبار الأقيسة الأخرى التي توسعوا فيها مثل السبر والتقسيم والإحالة وغير ذلك . وإذا اعتقد أنه شرع وأوجب على غيره اتباعه أو أفتى به أو قضى عليه فقد تقوّل على اللّه سبحانه بما لم يقله . فليكن هذا على ذكر منك فإنه من أعظم الأمور التي يكون بها الهلاك ، فما أحق العالم أنه إذا لم يجد علة منصوصا عليها ولا منبها عليها أن يترك التشريع ، وهذا المقيس بالرأي إنما عسّر الشريعة والنبي صلّى اللّه عليه وسلم يسرها . وهذه نصيحة مني لمن يريد اللّه به خيرا ليس الموجب لها إلا حبّ إخواني من علماء المسلمين المتبعين . وأما المقلد أو مجتهد المذهب فليس من مبحوثنا ولا دخل في نصيحتنا ، لأنه ممنوع عن التكلم محجور عن التعرض حتى يصدق عليه اسم العالم لما عرفت . ومن أراد تحقيق ذلك فعليه بكتب شيخنا الشوكاني وكتب أئمة السنة ابن تيمية وابن القيم وابن الوزير والسيد الأمير ومن حذا حذوهم وبتكميل الحجة والبيان وشرح بيتي إمام الزمان ففيها ما يغني ويقني . وإنما جرى القلم بهذا في هذه وإن كان المبحوث عنه سواه لأن له دخلا فيها . ولما نظرت هذه الفضيلة التي ثبتت لآدم باعتبار العلم عدلت إلى أن هؤلاء العلماء الذين عرفت أنهم المقصودون هنا وزّع اللّه بينهم الفضائل وجعلهم أنواعا .