صديق الحسيني القنوجي البخاري

86

أبجد العلوم

الفكر الإنساني طبيعة مخصوصة فطرها اللّه كما فطر سائر مبتدعاته ، وهو وجدان حركة للنفس في البطن الأوسط من الدماغ ، تارة يكون مبدأ للأفعال الإنسانية على نظام وترتيب ، وتارة يكون مبدأ لعلم ما لم يكن حاصلا بأن يتوجه إلى المطلوب وقد تصور طرفيه ويروم نفيه أو إثباته ، فيلوح له الوسط الذي يجمع بينهما أسرع من لمح البصر إن كان واحدا ، وينتقل إلى تحصيل آخر إن كان متعددا ، ويصير إلى الظفر بمطلوبه . هذا شأن هذه الطبيعة الفكرية التي تميز بها البشر من بين سائر الحيوانات . ثم الصناعة المنطقية هي كيفية فعل هذه الطبيعة الفكرية النظرية تصفه ليعلم سداده من خطئه ، لأنها وإن كان الصواب لها ذاتيا إلا أنه قد يعرض لها الخطأ في الأقل من تصور الطرفين على غير صورتهما من اشتباه الهيئات في نظم القضايا وترتيبها للنتاج ، فتعين المنطق للتخلص من ورطة هذا الفساد إذا عرض . فالمنطق إذا أمر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها . ولكونه أمرا صناعيا استغني عنه في الأكثر ، ولذلك تجد كثيرا من فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطالب في العلوم دون صناعة المنطق ، ولا سيما مع صدق النية والتعرض لرحمة اللّه فإن ذلك أعظم معنى ، ويسلكون بالطبيعة الفكرية على سدادها فيفضي بالطبع إلى حصول الوسط والعلم بالمطلوب كما فطرها اللّه عليه . ثم من دون هذا الأمر الصناعي الذي هو المنطق مقدمة أخرى من التعلم ، وهي معرفة الألفاظ ودلالتها على المعاني الذهنية تردّها من مشافهة الرسوم بالكتاب ومشافهة اللسان بالخطاب . فلا بد أيها المتعلم من مجاوزتك هذه الحجب كلها إلى الفكر في مطلوبك . فأولا دلالة الكتابة المرسومة على الألفاظ المقولة وهي أخفها . ثم دلالة الألفاظ المقولة على المعاني المطلوبة . ثم القوانين في ترتيب المعاني للاستدلال في قوالبها المعروفة في صناعة المنطق . ثم تلك المعاني مجردة في الفكر أشراكا يقتنص بها المطلوب بالطبيعة الفكرية بالتعرض لرحمة اللّه ومواهبه . وليس كل أحد يتجاوز هذه المراتب بسرعة ولا يقطع هذه الحجب في التعليم بسهولة ، بل ربما وقف الذهن في حجب الألفاظ بالمناقشات أو عثر في أشراك الأدلة بشغب الجدال والشبهات ، وقعد عن تحصيل المطلوب ولم يكد يتخلص من تلك الغمرة إلا قليل ممن هداه اللّه . فإذا ابتليت بمثل ذلك وعرض لك ارتباك في فهمك أو تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك وانتبذ حجب الألفاظ وعوائق الشبهات ، واترك الأمر الصناعي جملة ، واخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه ، وسرّح نظرك فيه ، وفرغ ذهنك له للغوص على مرامك منه واضعا لها حيث وضعها أكابر النظار قبلك ، مستعرضا للفتح من اللّه كما فتح