صديق الحسيني القنوجي البخاري

87

أبجد العلوم

عليهم من ذهنهم من رحمته وعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون . فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من اللّه بالظفر بمطلوبك ، وحصل الإلهام الوسط الذي جعله اللّه من مقتضيات ذاتيات هذا الفكر وفطره عليه كما قلنا ؛ فارجع به إلى قوالب الأدلة وصورها فأفرغه فيها ووفه حقه من القانون الصناعي ، ثم اكسه صور الألفاظ وأبرزه إلى عالم الخطاب والمشافهة وثيق العرى صحيح البنيان . وأما إن وقفت عند المناقشة والشبهة في الأدلة الصناعية وتمحيص صوابها من خطئها - وهذه أمور صناعية وضعية تستوي جهاتها المتعددة وتتشابه لأجل الوضع والاصطلاح - فلا تتميز جهة الحق منها ، إذ جهة الحق إنما تستبين إذا كانت بالطبع ، فيستمر ما حصل من الشك والارتياب وتسدل الحجب على المطلوب ، وتقعد بالناظر عن تحصيله ، وهذا شأن الأكثرين من النظار والمتأخرين سيما من سبقت له عجمة في لسانه فربطت عن ذهنه . ومن حصل له شغف بالقانون المنطقي تعصب له فاعتقد أنه الذريعة إلى إدراك الحق بالطبع ، فيقع في الحيرة بين شبه الأدلة وشكوكها . ولا يكاد يخلص منها . والذريعة إلى إدراك الحق بالطبع إنما هو الفكر الطبيعي كما قلناه إذا جرّد عن جميع الأوهام وتعرض الناظر فيه إلى رحمة اللّه تعالى . وأما المنطق فإنما هو واصف لفعل هذا الفكر فيساوقه لذلك في الأكثر . فاعتبر ذلك واستمطر رحمة اللّه تعالى متى أعوزك فهم المسائل تشرق عليك أنواره بالإلهام إلى الصواب ، واللّه الهادي إلى رحمته ، وما العلم إلا من عند اللّه تعالى » « 1 » . قف : « « 2 » اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين : علوم مقصودة بالذات ، كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام ، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة . وعلوم هي آلية وسيلة لهذه العلوم ، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات ، وكالمنطق للفلسفة ، وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين . فأما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار . فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ملكته وإيضاحا لمعانيها المقصودة .

--> ( 1 ) آخر ما نقله من مقدمة ابن خلدون ( ص 621 ) . ( 2 ) انظر الفصل الثامن والثلاثين من مقدمة ابن خلدون ( ص 622 ) بعنوان « في أن العلوم الآلية لا توسع فيها الأنظار ولا تفرع المسائل » .