صديق الحسيني القنوجي البخاري

83

أبجد العلوم

تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه . ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى مما أخذ به أهل المغرب والمشرق ، ولكن اللّه تعالى يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه » « 1 » وهو أحكم الحاكمين . * * * الإعلام السادس في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم « 2 » وذلك أن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة . ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك ، وصارت له هذه عادة وخلقا ، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله ، وصار عيالا على غيره في ذلك ، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها ، فارتكس وعاد في أسفل السافلين . وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف . واعتبره في كل من يملك أمره عليه . ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به ، وتجد ذلك فيهم استقراء وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء ، حتى أنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور : التخابث والكيد ، وسببه ما قلناه . فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدوا عليهم في التأديب . وقد قال محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين : « لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا » ، ومن كلام عمر رضي اللّه عنه : « من لم يؤدبه الشرع لا أدّبه اللّه » حرصا على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له ، فإنه أعلم بمصلحته . ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال : « يا

--> ( 1 ) هذا آخر ما نقله من مقدمة ابن خلدون ( ص 625 ) . ( 2 ) انظر الفصل الأربعين من مقدمة ابن خلدون ( ص 625 ، 626 ) طبعة دار الكتب العلمية .