صديق الحسيني القنوجي البخاري
84
أبجد العلوم
أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه ، فصير يدك عليه مبسوطة ، وطاعته لك واجبة ، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين . أقرئه القرآن ، وعرّفه الأخبار ، وروّه الأشعار وعلمه السنن ، وبصره بمواقع الكلام وبدئه ، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ، ورفع مجالس القوّاد إذا حضروا مجلسه ، ولا تمرّن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها ، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه ، وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة » « 1 » واللّه أعلم . * * * الإعلام السابع في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته « 2 » « اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا ، ويلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن ، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم ، إلا أنها جزئية وضعيفة ، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله . ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته . ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضّحه وفتح له مقفله ، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته . هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات ، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه . وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ، ويحضرون المتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ، ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ، ويكلفونه وعي ذلك وتحصيله ، ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات
--> ( 1 ) آخر ما نقله من مقدمة ابن خلدون ( ص 625 ) . ( 2 ) انظر الفصل السابع والثلاثين من مقدمة ابن خلدون ( ص 618 - 621 ) .