صديق الحسيني القنوجي البخاري
27
أبجد العلوم
والعلّام فيقال : فلان عالم ولا يقال عليم ولا علّام مطلقا ، إلا أن يقال : عليم بأمر كذا ، ولا يقال : علّام بأمر كذا ، بل إن وصف به شخص فلا بد من التقييد فيقال : فلان علّام في فن كذا ، وهذا على سبيل التوسع والتجوز ، وليس قولهم : فلان علّامة من هذا القبيل لأنه ليس من أسماء اللّه تعالى ، فلا يجوز أن يقال : إن اللّه علّامة فافهم . كذا في الإنسان الكامل . ذكره في ( كشاف اصطلاحات الفنون ) أقول - عفا اللّه عني - : إن علم اللّه تعالى ذاتي كسائر صفاته . وإنما قلنا ذلك للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غاياتها ، وللرد على المعتزلة القائلين بأنه يعلم بالذات لا بصفة زائدة عليها . وقال ابن سينا في ( الإشارات ) تبعا للفلاسفة : إن اللّه عالم بالكليات ، أي دون الجزئيات . وهو كفر بواح لا يقبل التأويل . وهذا أحد ما كفّر أهل الإسلام الفلاسفة بها ، ولهم من أمثال ذلك الطامات الكثيرة المعضلات ، فلا يهولنك ما ينسب إليهم من المعارف ودقائق الأفكار ، فما منهم إلا المخالف أو على شفا جرف هار . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية « 1 » وغيره من علماء الإسلام أدلة عقلية أيضا على إثبات صفة العلم للّه تعالى لا نطول الكلام بذكرها هنا . وأدلة ثبوت صفة العلم للّه تعالى سمعا من الكتاب والسنة كثيرة جدا ، كقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وقوله : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وقوله : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وقوله : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ إلى غير ذلك من آيات لا تحصى إلا بكلفة . وفي حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « سبق علم اللّه في خلقه فهم صائرون إليه » وفي حديث ابن عمر : « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه » . وصفة العلم له سبحانه إمام أئمة الصفات ، وقد أحاط بكل شيء علما ، وعلمه قد تعلق بكل شيء من الأشياء من الجائزات والواجبات والمستحيلات ، فيجب شرعا أن يعلم أن علم اللّه غير متناه من حيث تعلقه . أما بمعنى أنه لا ينقطع فهو واضح ، وأما بمعنى أنه لا يصير بحيث لا يتعلق بالمعلوم فإنه يحيط بما هو غير متناه كالأعداد والأشكال . ونعيم الجنة ، فهو شامل لجميع المتصورات سواء كانت واجبة كذاته وصفاته العليا ، أو مستحيلة كشريك الباري تعالى ، أو ممكنة كالعالم بأسره الجزئيات من ذلك والكليات على ما هي
--> ( 1 ) هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم المتوفى سنة 728 ه . انظر ترجمته في هذا الكتاب ( 3 / 106 ) .