صديق الحسيني القنوجي البخاري
28
أبجد العلوم
عليه من جميع ذلك ، وأنه واحد لا تعدد فيه ولا تكثّر وإن تعددت معلوماته وتكثرت . وأما وجوب عموم تعلقه سمعا فمثل قوله تعالى : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقوله : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ وقوله : يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إلى غير ذلك من الآيات القرآنية . وأما وجوب ذلك عقلا فلأن المقتضي للعالمية هو الذات إما بواسطة المعنى الذي هو العلم على ما هو مذهب الصفاتية والسلف وهو الحق ، أو بدونها على ما هو رأي النفاة ، والمقتضي للمعلومية إمكانها ونسبة الذات إلى الكل على السواء ، فلو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لكان ذلك بمخصص وهو محال لامتناع احتياج الواجب في صفاته وسائر كمالاته إلى التخصيص لمنافاته لوجوب الوجود والفناء المطلق . ولم يذهب إلى تعدد علوم قديمة أحد يعتمد عليه إلا أبو سهل الصعلوكي « 1 » من الأشاعرة وهو محجوج بالإجماع . والحق أن علمه سابق محيط بالأشياء على ما هي عليه ، ولا محو فيه ولا تغير ولا زيادة ولا نقصان . وهو سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون وما لو كان كيف كان . وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يكون فيه محو وإثبات ؟ فيه قولان للعلماء . وأما الصحف التي بيد الملائك فيحصل فيها المحو والإثبات . وما أطال به الحكماء وإفراخهم الكلام في بيان علم اللّه سبحانه وتعالى وما جاءوا به من الأدلة العقلية على إثبات عقائدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة ، وما تفوهوا به من أن الصفات زائدة على ذاته أو هي عين ذاته المقدسة ، وما نفوه من الصفات فكل ذلك مما لم يخض فيه السلف ولم يأت فيه حرف واحد من الشارع عليه الصلاة والسلام . فالخوض فيه وأمثاله من المسائل بعد عن الدين وقرب من الشياطين . وكم قد هلكوا وأهلكوا وضلوا وأضلوا الناس عن الصراط السوي ، ولا معصوم إلا من عصمه اللّه ورحمه . والكلام على مسألة العلم يطول ، وليس هذا موضع بسطه ، وفيما ذكر ما يكفي ويشفي . * * *
--> ( 1 ) هو محمد بن سليمان بن محمد أبو سهل الصعلوكي النيسابوري المتوفى سنة 369 ه . انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ( 16 / 235 ) .