صديق الحسيني القنوجي البخاري

236

أبجد العلوم

الحروف ، والعلم بالأخبار وتفاصيلها ، والآثار وأسامي رجالها ورواتها ، ومعرفة المسند والمرسل والقوي والضعيف منها ، كلها من فروض الكفاية ، وكذا معرفة الأحكام لقطع الخصومات وسياسة الولاة . وهذه العلوم إنما تتعلق بالآخرة لأنها سبب استقامة الدنيا وفي استقامتها استقامتها ؛ فكان هذا علم الدنيا بواسطة صلاح الدنيا ، بخلاف علم الأصول من التوحيد وصفات الباري ؛ وهكذا علم الفتوى من فروض الكفاية . أما العلم بالعبادات والطاعات ومعرفة الحلال والحرام فإنه أصل فوق العلم بالغرامات والحدود والحيل . وأما علم المعاملة فهو على المؤمن المتقي كالزهد ، والتقوى ، والرضاء ، والشكر ، والخوف والمنة للّه تعالى في جميع أحواله ، والإحسان ، وحسن الظن ، وحسن الخلق ، والإخلاص ، فهذه علوم نافعة أيضا . وأما علم المكاشفة فلا يحصل بالتعليم والتعلم ، وإنما يحصل بالمجاهدة التي جعلها اللّه تعالى مقدمة للهداية . قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وأما علم الكلام فالسلف لم يشتغلوا به حتى أن من اشتغل به نسب إلى البدعة والاشتغال بما لا يعنيه . هذا كله خلاصة ما في ( التاتارخانية ) « 1 » وألحق الغزالي الفقه والفقهاء بعلم الدنيا وعلمائها قال : ولعمري إنه متعلق أيضا بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة ثم سوّى بين الفقه والطب إذ الطب أيضا يتعلق بالدنيا وهو صحة الجسد لكن قال : إن الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه ثم ذكرها وأطال في بيان علم المكاشفة وعلم المعاملة ثم ذكر الفلسفة وقال : إنها ليست علما برأسها ، بل هي أربعة أجزاء . أما الهندسة والحساب فهما مباحان ، وأما المنطق والطبيعيات فبعضها مخالف للشرع والدين الحق فهو جهل وليس بعلم ، وبعضها ليس كذلك ، وأطال الكلام في تفصيله . وقال في خزانة الرواية في ( السراجية ) : تعلّم الكلام والمناظرة فيه قدر ما يحتاج إليه غير منهي . قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في ( أعلام الهدى ) « 2 » : إن عدم الاشتغال بعلم الكلام إنما هو في زمان قرب العهد بالرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - وأصحابه الذين كانوا مستغنين عن ذلك بسبب بركة صحبة النبي صلّى اللّه عليه وسلم - ونزول الوحي وقلة الوقائع والفتن بين المسلمين . وصرح به السيد الشريف

--> ( 1 ) راجع الحاشية السابقة . ( 2 ) عنوان الكتاب : « أعلام الهدى وعقيدة أرباب التقى » للشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد السهروردي المتوفى سنة 632 ه . ألفه بمكة ورتبه على عشرة فصول من المباحث الكلامية . انظر كشف الظنون ( ص 126 ) .