صديق الحسيني القنوجي البخاري

23

أبجد العلوم

النار وتخاصمهم بتلك الحجج التي لا تصدر إلا عن أكمل الناس عقلا وأوفر الخلائق فهما ، وما يذكرونه من حالهم الذي كانوا عليه في أهليهم بل ما يودونه من إبلاغ الأحياء عنهم ما صاروا فيه من النعيم قال : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ « 1 » . وورد مثل هذا المعنى في القرآن الذي رفع لفظه من المصحف ، كما ثبت في الصحاح من كتب الحديث عن أولئك الشهداء بلفظ : « بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا » ، وكذلك ما ذكر من اجتماع أهل الجنة ومذاكرتهم بما كانوا فيه في الدنيا وما صاروا إليه في الجنة ، كما في الآيات المشتملة على ما في الجنة مما أعده اللّه لهم حيث يقول : وفيها وفيها وفيها ، في آيات كثيرة . وذكر أن أهلها على سرر متقابلين ، وأنه يطوف عليهم ولدان مخلدون . وثبت أنهم يدخلون الجنة على تلك الصفات من الجمال والشباب وكمال الخلق وحسن الهيئة مردا جردا أبناء ثلاث وثلاثين سنة . وأنهم يتخيرون في الجنة ما يشتهون . وكم يعدّ العادّ من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة . ولا يتم هذا النعيم ولا بعضه إلا وهم ذوو عقول صحيحة بالضرورة العقلية كما ثبت بالضرورة الدينية . ومعلوم أنهم إذا كانوا ذوي عقول فمهما وجدت معهم فهي بالإمكان العام والخاص قادرة على كسب ما تجدد لها من العلوم ، ذاكرة لما حصل لها منها من قبل هذا ما لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى برهان ، ولو فقدوها لفقدوا الإنسانية الكاملة ، وصاروا مشابهين للدواب . وأي نعمة لمن لا عقل له كما هو مشاهد من المصابين بالجنون في الدنيا . وأي فائدة للمبالغة في نعيم من كان ذاهب العقل بما ثبت في الكتاب والسنة من أنهم على صفات فوق صفاتهم في الدنيا بمسافات لا يقادر قدرها ولا يحاط بكنهها . وكذلك لا يتم نعيمهم إلا بوجود الحواس الظاهرة والباطنة ، ولو فقدوها لما تنعموا كما ينبغي . وكذا لو فقدوا بعضها لم يكن لهم شعور بالتنعيم الذي وصفه اللّه سبحانه وبالغ فيه . وأي فائدة لفاقد العقل ، وأي شعور له بكونه على صفة كمالية في جماله ولباسه الحرير والديباج وتحليته بالذهب والجواهر وأكله من أطيب المأكل وشربه من أنفس المشروب . وكذا لا نعمة تامة فضلا عن أن تكون فاضلة لمن كان أعمى أو أصم أو لا يفهم شيئا أو لا يذكر ما مضى له ولا يفكر فيما هو فيه . وإذا تقرر لك هذا علمت أن أهل الجنة لهم العقول الفائقة بنسبة الدنيا شبابا وجمالا وقوة وفهما وذكرا وحفظا وسلامة من كل نقص . ولو لم يكن الأمر هكذا لم تكن لهم فائدة بما بولغ به في شأنهم من الصفات ، بل يعود ذلك بالنقص لما أثبت لهم منها في الجنة . هذا معلوم بالعقل والشرع لا يتمارى فيه قط . وأقل الحال أن يكون النعيم المحكوم لهم به في الجنة

--> ( 1 ) الآية 27 من سورة يس .