صديق الحسيني القنوجي البخاري
24
أبجد العلوم
كتابا وسنة ناقصا . والمفروض أنه بالغ في الكمال إلى غاية فوق كل غاية . وهذا خلف يدافع نصوص الكتاب والسنة مدافعة يفهمها كل من له عقل وإدراك . فيا عجبا كل العجب من التجري على أهل هذه الدار التي هي دار النعيم المقيم على الحقيقة بما ينغص نعيمهم ويشوّش حالهم ويكدر صفوهم ويمحق ما أعد اللّه لهم . ومن التجري على اللّه سبحانه وعلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بما يستلزم عدم ثبوت ما أثبته الكتاب والسنة لهم وتكديره وذهاب أثره ومحق بركته . وأنت تعلم أن مثل هذا الكتاب يستلزم الكفر الصراح . فأين هذا القادح الفادح من نعيم دار يعدل موضع سوط أحدهم فيها الدنيا بأسرها وجميع ما فيها ، ومن دار نصيف إحدى زوجاتهم يعدل الدنيا وما فيها ، ومن دار لو أشرفت إحدى الجواري المعدة لهم على أهل الدنيا لفتنتهم أجمعين كما ثبت في الأحاديث الصحيحة . ومع هذا فقد ثبت قرآنا أنهم على سرر متقابلين وأنه يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ . وثبت سنة أنهم يجتمعون ويتزاورون . فليت شعري ما فائدة هذا الاجتماع والتزاور لمن لا عقل له ولا فهم ولا فكر ولا ذكر . والحاصل أن التقول بمثل هذا القول هو من التقول على اللّه سبحانه بما لم يقل ، وعلى رسوله وعلى شريعته بما لم يكن منها . وقد ثبت في القرآن الكريم الحكم على المتقولين بما هو معلوم لكل من يعرف القرآن . وإذا ثبت أن مثل هذا باطل في الدار الآخرة فانظر إلى هذه الدار دار الدنيا التي ليست بشيء بالنسبة إلى الدار الآخرة لو قيل لأحدهم : إنه سيكون لك ما تريد من جمال الهيئة وكمالها ومن النعيم البالغ ومن الرئاسة التامة ولكن ستصاب بالجنون أو تفقد جميع المشاعر ، لقال : لا ولا كرامة دعوني أعش صعلوكا فقيرا فهو أطيب لي مما عرضتموه عليّ وأحبّ إلي مما جئتموني به : خذوا رفدكم لا قدّس اللّه رفدكم * سأذهب عنه لا عليّ ولا ليا وإنما أوردنا لك هذه الأمور لتعلم أن الروح للإنسان إذا كان ساذجا كان كله ساذجا ، إذ الروح هو الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن الدواب . وجميع ما ذكرنا من العقل والحواس الباطنة والظاهرة هو له لا للحم ولا لدم ولا لعظم . فإذا كان الروح ساذجا فلم يبق إلا صورة اللحم والدم ، وهو المقصود بقولهم في بيان ماهية الإنسان « إنه حيوان ناطق » أي مدرك للمعقولات ، وليس ذلك للقالب الذي هو فيه . وكما أن ما ذكرناه وقررناه هو إجماع الطوائف الإسلامية على اختلاف أنواعها فهو أيضا إجماع أهل الشرائع كلها ، كما يحكى ذلك عن كتب اللّه المنزلة على رسله ، وتحكيه أيضا كتبهم المؤلفة من أحبارهم ورهبانهم ، فإنه لا خلاف بينهم في المعاد وفي النعيم المعد لأهل الجنة كما حكاه الكتاب العزيز ؛ وقد أوردنا من ذلك في ( المقالة الفاخرة في إثبات الدار الآخرة ) وفي ( إرشاد الثقات إلى اتفاق