صديق الحسيني القنوجي البخاري

227

أبجد العلوم

ومقابله الخلة وهو ما كان حلوا ، تقول العرب : « الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها » ، لأنها إذا ملّت من الخلة مالت إلى الحمض . ومنه قولهم للرجل إذا جاء متهددا : « أنت مختل فتحمّض » . وأما قوله تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ : فهو في الشعراء المشركين . ويستفاد من الآية أن علة الذمّ الهيمان في كل واد من الكذب والباطل ، وبهذا الاعتبار الشعر مذموم ، وكل ما ورد من ذمه في القرآن والحديث فهو راجع إلى هذا الاعتبار . وهو ممدوح باعتبار اشتماله على الحكم ، ولذا ميز اللّه سبحانه الشعراء المؤمنين عن هؤلاء المشركين بالاستثناء ، وأرشد النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - إلى ذلك بقوله : « إن من الشعر حكمة » وأما قوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ فهو رد على الكفار القائلين بأنه - صلّى اللّه عليه وسلم - شاعر . ولا يخفى أن القرآن ليس من جنس الشعر ، ولا يقول به من له أدنى تمييز ، لأن الشعر يكون مقفى موزونا ، وليس القرآن كذلك . ويمكن أن يكون قولهم مبنيا على الشاعر يراعي الوزن والقافية في الكلام ، فالذي يكون قادرا على الشعر سهل له أن ينشئ الكلام بلا مراعاة الوزن والقافية ، فما يأتي به هو ناشئ عن سليقته ، لا كما يدعي أنه منزّل من السماء ، فرد اللّه سبحانه عليهم وقال : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ لأن أكثره خيالات لا حقيقة لها ، وتغزلات بالنساء والأمارد ، وافتخارات باطلة ، ومدائح من لا يستحق إلى غير ذلك . والقرآن ليس على هذا الأسلوب ، ثم أيّده بقوله تعالى : وَما يَنْبَغِي لَهُ أي لا يليق بشأنه ، لأن الشعر قلما يخلو عن الأمور المذكورة . وقد امتحنتموه - صلّى اللّه عليه وسلم - نحوا من أربعين سنة فما وجدتم من أقواله وأفعاله وأحواله ما يناسب شيئا منها . ولا يخفى أن في قوله تعالى : وَما يَنْبَغِي لَهُ إشعارا بأن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - كان قادرا على الشعر ولم يقله بناء على أنه ما كان ينبغي له ، فإنه سبحانه نفى الانبغاء دون القدرة عليه ؛ ثم أيده بقوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ أي كتاب سماوي ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز . وقد تبين من هذا أن في الآية تنزيه النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - عن أن يملي القرآن بسليقته كما هو شأن الشعراء حيث يملون الكلام الموزون بسلائقهم ، وإذا أمعنت النظر لا تجد فيه ذما للشعر ، بل تجد مدحا عظيما . وليت شعري أي شيء يستدعي إلى ذم الشعر مطلقا ، فإن الحسن والقبح راجعان إلى المعنى كما تقدم ، وإذا كان المعنى حسنا فالمنظوم أزيد حسنا وجمالا من المنثور ، وأنفع للمتكلم في ما قصده من إيقاع المعاني في نفس المخاطب ، وللمخاطب في التوجه إليه بالرغبة . ولقد أجاد البوصيري حيث قال : فالدر يزداد حسنا وهو منتظم * وليس ينقص قدرا غير منتظم