صديق الحسيني القنوجي البخاري

226

أبجد العلوم

أو أذى لمسلم أو كذب ، والكذب الممنوع في الشعر ما كان مضرا بأمر ديني ، لا الكذب الذي أتى به لتحسين الشعر فقط فإنه مأذون فيه وإن استغرق الحدّ وتجاوز المعتاد ، ألا ترى قصيدة كعب بن زهير - رضي اللّه عنه - فإنه تغزّل فيها بسعاد ، وأتى من الإغراقات والاستعارات والتشبيهات بكل بديع ، لا سيما تشبيه الرضاب بالشراب في قوله : تجلو عوارض ذا ظلم إذا ابتسمت * كأنها منهل بالرّاح معلول والنبي - صلّى اللّه عليه وسلم - سمعه وما أنكر ، بل صارت هذه القصيدة أحسن الوسائل إلى الشفاعة ، وأوثق الذرائع إلى الإغماض عن الشناعة ، وفازت بحسن القبول من جنابه ، وجازى قائلها بعطية من جلبابه . وللّه در أبي إسحاق الغزي حيث قال : جحود فضيلة الشعراء غي * وتفخيم المديح من الرّشاد محت بانت سعاد ذنوب كعب * وأعلت كعبه في كلّ نادي وما افتقر النبيّ إلى قصيد * مشبّبة ببين من سعاد ولكن منّ إسداء الأيادي * وكان إلى المكارم خير هاد وقد قالوا : فضل هذه القصيدة على القصائد الأخر الموشّحة بمدحه - صلّى اللّه عليه وسلم - كفضل الصحابة على التابعين ومن بعدهم هذا وقد شبه واصفه - صلّى اللّه عليه وسلم - عنقه المقدس بجيد دمية وما أنكره أحد من السلف والخلف . وقال القفّال والصيدلاني قولا صدقا وهو أن الشعر كذبه ليس بكذب لأن قصد الكاذب تحقيق قوله ، وقصد الشاعر تحسين كلامه فقط . وبما حررناه ثبت جواز التخييلات الكلامية ، والتوسع في المضامير الأقلامية . وتحقق أن الإنكار من الشعر المحمود هو بترك المستحب ، وأن لا تسمع لومة لائم في ما عمل به رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وكبار الصحابة والتابعون وأهل العلم وموضع القدوة رضي اللّه عنهم . وقد ورد النهي عن سب الشعراء ، روى البخاري عن عروة بن الزبير قال : « ذهبت أسبّ حسانا عند عائشة ، فقالت : لا تسبه ، فإنه كان ينافح عن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - » . ولا شك أن من أنشأ أو أنشد الشعر المحمود فهو تلو للمنافحين حيث يريح المؤمنين بالحكم اليمانية ، ويدافع عنهم ما يملّهم من العوارض النفسانية . ويعضده ما روي عن ابن عباس أنه كان إذا فرغ من درس التفسير والحديث يقول لتلامذته : « أحمضوا » ، ويأمرهم بالأخذ في ملح الكلام خوفا عليهم من الملال . والإحماض أصله من الحمض وهو ما ملح ومرّ من النبات ،