صديق الحسيني القنوجي البخاري
224
أبجد العلوم
من البيان لسحرا » قال الطيبي « 1 » في ( تبيانه ) « 2 » : « من : للتبعيض ، والكلام فيه تشبيه ، وحقه أن يقال : إن بعض البيان كالسحر ، فقلب وجعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعا والفرع أصلا ، ووجه التشبيه يتغير بتغير إرادة المدح والذم » انتهى . يعني أن السحر له وجهان : المدح والذم ، ووجه تشبيه البيان به هاهنا الأول . قال المحقق الشريف في ( حواشي الكشاف ) عند تفسير قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ فإن قيل : لا فائدة في الإخبار بأن من يقول كذا وكذا من الناس ، أجيب بأن فائدته التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية ، فينبغي أن يجهل كون المتصف بها من الناس ويتعجب منه . وردّ بأن مثل هذا التركيب قد يأتي في مواضع لا يتأتى فيها مثل هذا الاعتبار ، ولا يقصد منها إلا الإخبار بأن من هذا الجنس طائفة متصفة بكذا كقوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ فالأولى أن يجعل مضمون الجارّ والمجرور مبتدأ على معنى ، وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف بما ذكر ، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف . ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ » انتهى كلامه . وروى ابن ماجة : « الكلمة الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها » . وقال صاحب ( كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجة ) قوله : ضالة المؤمن ، أي مطلوبة له أشد ما يتصور من الطلب . فاللائق بحال المؤمن أن يطلبها كما يطلب المرء ضالته . فهذا الكلام بطريق الإرشاد والتعليم لا الإخبار ، إذ كم من مؤمن ليس له طلب أصلا . أو بطريق الإخبار بحمل المؤمن على الكامل قوله : « حيثما وجدها » أي ينبغي أن يكون نظر المؤمن إلى المقول لا القائل . وهذا كما قيل : انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال » . انتهى . و « الكلمة الحكمة » شاملة للنظم والنثر لعموم اللفظ ، ويؤيد الأول قوله - صلّى اللّه عليه وسلم - « إن من الشعر حكمة » ومن العجائب أن الكلمة تطلق على القصيدة كما قال الجوهري وغيره . وإذا تمهد هذا فأقول : لو قطع النظر عن المبالغة في الحديث ، وأخذ أصل المعنى أعني : بعض الشعر حكمة ، يحصل من انضمامه بالحديث الثاني الشكل الأول من الأشكال المنطقية ، أعني : بعض الشعر كلمة والكلمة الحكمة ضالة المؤمن ، فبعض الشعر ضالة المؤمن . وإنما زدت لفظ « الكلمة » في الصغرى ، لأن الشعر حكمة قولية .
--> ( 1 ) هو شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد اللّه الطيبي . عالم ، مشارك في أنواع من العلوم . توفي سنة 743 ه ( معجم المؤلفين : 1 / 639 ) . ( 2 ) عنوانه الكامل : « التبيان في المعاني والبيان » .