صديق الحسيني القنوجي البخاري

22

أبجد العلوم

باستحالة بقائهما كسائر الأعراض عندهم . وأما المعتزلة فقد أجمعوا على بقاء العلوم الضرورية والمكتسبة التي لا يتعلق بها التكليف . واختلفوا في العلوم المكتسبة المكلف بها فقال الجبّائي « 1 » : إنها ليست باقية وإلا لزم أن لا يكون المكلف بها حال بقائها مطيعا ولا عاصيا ولا مثابا ولا معاقبا مع تحقق التكليف ، وهو باطل بناء على أن لزوم الثواب أو العقاب على كلف به . وخالفه أبو هاشم « 2 » في ذلك وأوجب بقاء العلوم مطلقا . قال شيخنا العلامة المجتهد المطلق قاضي القضاة محمد بن علي الشوكاني « 3 » في فتاواه المسماة ( بالفتح الرباني ) : « إنه وصل السؤال عن الكلام للحافظ الذهبي « 4 » من أن علوم أهل الجنة تسلب عنهم في الجنة ، ولا يبقى لهم شعور بشيء منها . فاقشعر جلدي عند الاطلاع على هذا الكلام من مثل الحافظ الذي أفنى عمره في خدمة الكتاب والسنة والتراجم لعلماء هذا الشأن . وقد كنت قديما وقفت على شيء من هذا لكن لفرد شاذ من أفراد الحكماء قاله لا عن دراية ولا رواية ، فلم أعبأ به لجهله بالكتاب والسنة ، فيا ليت شعري كيف يجري قلم أحقر عالم من علماء الشريعة بمثل هذا . وعجبت ما أدخل هذا الحافظ في مثل هذه المداخل المقفرة المكفهرة التي يتلون الخريف في شعابها وهضابها ، ويتحمل هذا النقل الثقيل والعبء الجليل . والحاصل أن الطوائف الإسلامية على اختلاف مذاهبهم وتباين طرقهم متفقون على أن عقول أهل الجنة تزداد صفاء وإدراكا لذهاب ما كان يعتريهم من الكدورات « 5 » الدنيوية . وكيف يسلبون ما هو عندهم من أوفر النعم وأوفر القسم ، وهم في دار فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فكأنّ هذا القائل لم يقرأ القرآن الكريم وما اشتمل عليه من تحاور أهل الجنة وأهل

--> ( 1 ) هو شيخ المعتزلة أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة 303 ه انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ( 14 / 183 ) . ( 2 ) هو أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة 321 ه . انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ( 15 / 63 ) . ( 3 ) انظر ترجمته في الجزء الثالث من هذا الكتاب صفحة 160 وما بعدها . ( 4 ) انظر ترجمته في الجزء الثالث من هذا الكتاب صفحة 80 . ( 5 ) الكدورات : هي العكارات في أسفل القدر ونحوها .