صديق الحسيني القنوجي البخاري
210
أبجد العلوم
ولهم فن آخر كثير التداول في نظمهم يجيئون به معصبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة في رويّة ويلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربع والمخمس الذي أحدثه المتأخرون من المولّدين . ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة ، وفيهم الفحول والمتأخرون . والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد ، وخصوصا علم اللسان ، يستنكر هذه الفنون التي لهم إذا سمعها ، ويمج نظمهم إذا أنشد ، ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها . وهذا إنما أوتي من فقدان الملكة في لغتهم ، فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره ، وإلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة ، إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه ، سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول أو بالعكس ، وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام كما هو لغتهم هذه فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة . فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحت الدلالة ، وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة ، ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك . وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم ، فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر ، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب » « 1 » . « « 2 » وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه ، وبلغ التنميق فيه الغاية ، استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا ، وأغصانا أغصانا ، يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة ، ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ، ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة ، وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات ، ويشتمل كل بيت على أغصان ، عددها بحسب الأغراض والمذاهب . وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد ، وتجاروا في ذلك إلى الغاية ، واستظرفه الناس جملة ، الخاصة والكافة لسهولة تناوله ، وقرب طريقه . وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد اللّه بن محمد المرواني ، وأخذ ذلك عنه أبو عبد اللّه أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب ( العقد ) ولم يظهر لهما مع المتأخرين
--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 677 ) . ( 2 ) من هنا ينقل المؤلف عن ابن خلدون في مقدمته ( ص 686 ) .