صديق الحسيني القنوجي البخاري
201
أبجد العلوم
النحوي والبياني والعروضي . نعم إن مراعاة قوانين هذه العلوم شرط فيه لا يتم بدونها ، فإذا تحصلت هذه الصفات كلها في الكلام اختص بنوع من النظر لطيف في هذه القوالب التي يسمونها أساليب ، ولا يفيده إلا حفظ كلام العرب نظما ونثرا . وإذا تقرر معنى الأسلوب ما هو فلنذكر بعده حدّا أو رسما للشعر به تفهم حقيقته على صعوبة هذا الغرض ، فإنا لم نقف عليه لأحد من المتقدمين فيما رأيناه . وقول العروضيين في حده : « إنه الكلام الموزون المقفى » ليس بحدّ لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له ، وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة . فلا جرم أن حدّهم ذلك لا يصلح له عندنا ، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول : الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف ، المفصّل بأجزاء متفقة في الوزن والروي ، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده ، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به فقولنا : « الكلام البليغ » جنس . وقولنا : « المبني على الاستعارة والأوصاف » فصل عما يخلو من هذه فإنه في الغالب ليس بشعر . وقولنا : « المفصل بأجزاء متفقة الوزن والروي » فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل . وقولنا : « مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده » بيان للحقيقة ، لأن الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك ولم يفصل به شيء . وقولنا : « الجاري على الأساليب المخصوصة به » فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة ، فإنه حينئذ لا يكون شعرا ، إنما هو كلام منظوم ، لأن الشعر له أساليب تخصه لا تكون للمنثور ، وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر ، فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب فلا يكون شعرا . وبهذا الاعتبار كان الكثير من أهل هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبّي والمعري ليس هو من الشعر في شيء ، لأنهما لم يجريا على أساليب العرب من الأمم ، عند من يرى أن الشعر يوجد للعرب وغيرهم ؛ ومن يرى أنه لا يوجد لغيرهم فلا يحتاج إلى ذلك ويقول : مكانه الجاري على الأساليب المخصوصة . وإذ قد فرغنا من الكلام على حقيقة الشعر ، فلنرجع إلى الكلام في كيفية عمله . فنقول : اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا . أولها : الحفظ من جنسه ، أي من جنس شعر العرب ، حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج