صديق الحسيني القنوجي البخاري

202

أبجد العلوم

على منوالها ، ويتخير المحفوظ من الحرّ النقي الكثير الأساليب . وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميين مثل ابن أبي ربيعة ، وكثيّر ، وذي الرمة ، وجرير ، وأبي نواس ، وحبيب « 1 » ، والبحتري ، والرضي ، وأبي فراس ، وأكثره شعر ( كتاب الأغاني ) لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كلّه ، والمختار من شعر الجاهلية . ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء ، ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ . فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط ، واجتناب الشعر أولى ممن لم يكن له محفوظ . ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم ، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ . وربما يقال : إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحي رسومه الحرفية الظاهرة ، إذ هي صادة عن استعمالها بعينها ؛ فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة . ثم لا بدّ له من الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والأزهار . وكذا المسموع لاستثارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور . ثم مع هذا كله ، فشرطه أن يكون على جمام ونشاط ، فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه . قالوا : وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم ، وفراغ المعدة ونشاط الفكر ، وفي هؤلاء الجمام . وربما قالوا : إن من بواعثه العشق والانتشاء ، ذكر ذلك ابن رشيق « 2 » في كتاب ( العمدة ) وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها ، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله . قالوا : فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر ، ولا يكره نفسه عليه . وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغه ونسجه بعضها ، ويبني الكلام عليها إلى آخره ، لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها ، فربما تجيء نافرة قلقة . وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به . فإن كل بيت مستقل بنفسه ، ولم تبق إلا المناسبة ، فليتخير فيها كما يشاء ، وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد . ولا يضن به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة ؛ فإن الإنسان مفتون بشعره ، إذ هو بنات فكره واختراع قريحته . ولا يستعمل فيه من الكلام إلا الأفصح من

--> ( 1 ) هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي . ( 2 ) تقدم التعريف به صفحة 191 حاشية 3 .