صديق الحسيني القنوجي البخاري

200

أبجد العلوم

أو بتهنئة قريعة بالراحة من ثقل وطأته كقوله : ألقى الرّماح ربيعة بن نزار * أودى الرّدى بقريعك المغوار وأمثال ذلك كثير في سائر فنون الكلام ومذاهبه ، وتنتظم التراكيب فيه بالجمل وغير الجمل ، إنشائية وخبرية ، اسمية وفعلية ، متفقة وغير متفقة ، مفصولة وموصولة ، على ما هو شأن التراكيب في الكلام العربي في مكان كل كلمة من الأخرى ، يعرفك به ما تستفيده بالارتياض في أشعار العرب من القالب الكلي المجرد في الذهن من التراكيب المعينة التي ينطبق ذلك القالب على جميعها . فإن مؤلف الكلام هو كالبنّاء أو النسّاج ، والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبني فيه أو المنوال الذي ينسج عليه ، فإن خرج عن القالب في بنائه ، أو على المنوال في نسجه كان فاسدا . ولا تقولن إن معرفة قوانين البلاغة كافية في ذلك ؛ لأنا نقول : قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئاتها الخاصة بالقياس ، وهو قياس علمي صحيح مطرد ، كما هو قياس القوانين الإعرابية . وهذه الأساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شيء ، إنما هي هيئة ترسخ في النفس تتبع التراكيب في شعر العرب ، لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورتها ، فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كل تركيب من الشعر ، كما قدمنا ذلك في الكلام بإطلاق وأن القوانين العلمية من العربية والبيان لا يفيد تعليمه بوجه ، وليس كل ما يصح في قياس كلام العرب وقوانينه العلمية استعملوه ، وإنما المستعمل عندهم من ذلك أنحاء معروفة يطلع عليها الحافظون لكلامهم تندرج صورتها تحت تلك القوانين القياسية . فإذا نظر في شعر العرب على هذا النحو وبهذه الأساليب الذهنية التي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس . ولهذا قلنا إن المحصّل لهذه القوالب في الذهن إنما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم . وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور ؛ فإن العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنين ، وجاءوا به مفصلا في النوعين ، ففي الشعر بالقطع الموزونة ، والقوافي المقيدة ، واستقلال الكلام في كل قطعة . وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتشابه بين القطع غالبا ، وقد يقيدونه بالأسجاع ، وقد يرسلونه . وكل واحد من هذه معروفة في لسان العرب . والمستعمل منها عندهم هو الذي يبني مؤلف الكلام عليه تأليفه ، ولا يعرفه إلا من حفظ كلامهم ، حتى يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة الشخصية قالب كلي مطلق يحذو حذوه في التأليف ، كما يحذو البنّاء على القالب ، والنسّاج على المنوال . فلهذا كان فن تأليف الكلام منفردا عن نظر