صديق الحسيني القنوجي البخاري

188

أبجد العلوم

يتنبهون لشأنها . فتجدهم يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم أبعد الناس عنه . وأهل صناعة العربية بالأندلس ومعلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم ، لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم ؛ فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم ، فتنقطع النفس لها وتستعد إلى تحصيلها وقبولها . وأما من سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا ، وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا إن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه . فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل ، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته ؛ وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه ، وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم ؛ فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان ، وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم ، لكنهم أجروها على غير ما قصد بها ، وأصاروها علما بحتا ، وبعدوا عن ثمرتها . وتعلم مما قررناه في هذا المقام أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب ، حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ، ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم ، حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم . واللّه مقدر الأمور كلها ، واللّه أعلم بالغيب » « 1 » والشهادة . * * * مطلب في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه وبيان أنه لا يحصل غالبا للمستعربين من العجم « 2 » « اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ، ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان . والبلاغة مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة

--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 651 ) . ( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 651 - 653 ) .