صديق الحسيني القنوجي البخاري

189

أبجد العلوم

ذلك . فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم ، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده . فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه ، وسهل عليه أمر التركيب ، حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب . وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى مجّه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر ، بل وبغير فكر ، إلا بما استفاده من حصول هذه الملكة . فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلّة لذلك المحل . ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي ويقول : كانت العرب تنطق بالطبع ؛ وليس كذلك ، وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع . وهذه الملكة - كما تقدم - إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع ، والتفطن لخواص تراكيبه ، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان ، فإن هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها ، وقد مر ذلك . وإذا تقرر ذلك فملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم ، ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبيل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه ، لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده . وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم ، وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النحوية والبيانية ، فإن ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء . وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم . ومثاله : لو فرضنا صبيا من صبيانهم نشأ وربّي في جيلهم ، فإنه يتعلم لغتهم ويحكم شأن الإعراب والبلاغة فيها حتى يستولي على غايتها ، وليس من العلم القانوني في شيء ، وإنما هو بحصول هذه الملكة في لسانه ونطقه . وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك الجيل بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم ، والمداومة على ذلك بحيث تحصل الملكة ويصير كواحد ممن نشأ في جيلهم وربّي بين أجيالهم ، والقوانين بمعزل عن هذا ، واستعير لهذه الملكة عندما ترسخ وتستقر اسم الذوق الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان ، وإنما هو موضوع لإدراك الطعوم . لكن لما كان محل هذه الملكة في اللسان من حيث النطق بالكلام ، كما هو محل لإدراك الطعوم ، استعير لها اسمه . وأيضا فهو وجداني اللسان ، كما أن الطعوم