صديق الحسيني القنوجي البخاري

181

أبجد العلوم

قلت : ثم انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنّها وكأنهم أحلام ولم يبق اليوم في المشرق ولا في المغرب ، بل ولا في الجهات الأربع وما بها من المدن والأمصار والقرى من العلم إلا اسمه ، ومن الدين إلا رسمه وأباد الزمان أهله كأن لم يغنوا بالأمس ، فقد ذهب العلم برمته ، وجاء الجهل بأسره ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . * * * مطلب في أن اللغة ملكة صناعية « 1 » « اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة ، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني ، وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها . وليس ذلك بالنظر إلى المفردات ، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب . فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال ، بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع ، وهذا هو معنى البلاغة . والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال ، لأن الفعل يقع أولا ، وتعود منه للذات صفة ، ثم تتكرر فتكون حالا ، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة ، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة . فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا ، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك ، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم ، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ، ويكون كأحدهم . هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل ، وتعلمها العجم والأطفال . وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ،

--> ( 1 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 643 ، 644 ) .