صديق الحسيني القنوجي البخاري
182
أبجد العلوم
ولم يأخذوها عن غيرهم . ثم إنه فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم ، وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب ، فيعبر بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ، ويسمع كيفيات العرب أيضا ، فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه ، فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى . وهذا معنى فساد اللسان العربي . ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ، ثم من اكتنفهم من ثقيف . وهذيل ، وخزاعة ، وبني كنانة ، وغطفان ، وبني أسد ، وبني تميم . وأما من بعد عنهم من ربيعة ، ولخم ، وجذام ، وغسان ، وإياد ، وقضاعة ، وعرب اليمن ، المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة ، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم . وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق » « 1 » . * * * مطلب في أن لغة العرب لهذا العهد لغة مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير « 2 » « وذلك أنا نجدها في بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ، ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيّن الفاعل من المفعول ، فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد . إلا أن البيان والبلاغة في اللسان المضري أكثر وأعرف ، لأن الألفاظ بأعيانها دالة على المعاني بأعيانها ، ويبقى ما تقتضيه الأحوال ويسمى « بساط الحال » محتاجا إلى ما يدل عليه . وكل معنى لا بدّ وأن تكتنفه أحوال تخصه ، فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود لأنها صفاته ، وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ تخصها بالوضع . وأما في اللسان العربي فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تراكيب الألفاظ وتأليفها من تقديم أو تأخير أو حذف أو حركة إعراب . وقد يدل عليها بالحروف غير المستقلة ، ولذلك تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات ، فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظا
--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 644 ) . ( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 644 - 647 ) .