صديق الحسيني القنوجي البخاري
166
أبجد العلوم
قف : اعلم أن النظر والمطالعة في علوم الفلسفة يحل بشرطين : أحدهما : أن لا يكون خالي الذهن عن العقائد الإسلامية ، بل يكون قويا في ذهنه راسخا على الشريعة الشريفة . والثاني : أن لا يتجاوز مسائلهم المخالفة للشريعة ، وإن تجاوز فإنما يطالعها للرد لا غير . هذا لمن ساعده الذهن والسن والوقت وسامحه الدهر عما يفضيه إلى الحرمان ، وإلا فعليه أن يقتصر على الأهم وهو قدر ما يحتاج إليه فيما يتقرب به إلى اللّه تعالى وما لا بدّ منه في المبدإ والمعاد والمعاملات والعبادات والأخلاق والعادات . فتح : ومن الشروط المعتبرة في التحصيل المذاكرة مع الأقران ومناظرتهم ، كما قيل : « العلم غرس وماؤه درس » لكن طلبا للثواب وإظهار للصواب ، وقيل : « مطارحة ساعة خير من تكرار شهر » . ولكن مع منصف سليم الطبع . وينبغي للطالب أن يكون متأملا في دقائق العلوم ويعتاد ذلك ، فإنما تدرك به خصوصا قبل الكلام فإنه كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل أولا . فتح : ومنها الجد والهمة ، فإن الإنسان يطير بهما إلى شواهق الكمالات ، وأن لا يؤخّر شغل يوم إلى غد فإن لكل يوم مشاغل . ولا بدّ أن تكون معه محبرة في كل وقت حتى يكتب ما يسمع من الفوائد ويستنبطه من الزوائد ، فإن العلم صيد والكتابة قيد . وينبغي أن يحفظ ما كتبه من العلم ، إذ العلم ما ثبت في الخواطر لا ما أودع في الدفاتر ، بل الغرض منه المراجعة إليها عند النسيان للاعتماد عليها . فتح : ومن الشروط مراعاة مراتب العلوم في القرب والبعد من المقصد ، فلكل منها مرتبة ترتيبا ضروريا بحسب الرعاية في التحصيل ، إذ البعض طريق إلى البعض . ولكل علم حدّ لا يتعداه ، فعليه أن يعرفه فلا يتجاوز ذلك الحد ، مثلا : لا يقصد إقامة البراهين في النحو ولا يطلب ، وأيضا لا يقصر عن حده كأن يقنع بالجدل في الهيئة . وأن يعرف أيضا أن ملاك الأمر في المعاني هو الذوق ، وإقامة البرهان عليه خارج عن الطوق . ومن طلب البرهان عليه أتعب نفسه كما قال السكاكي : « قبل أن تمنح هذه الفنون حقها فلننبهك على أصل ليكون على ذكر منك ، وهو أنه ليس من الواجب في صناعة ، وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل ، أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق عنها ، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى محكمات وضعية واعتبارات إلفية ، فلا بأس على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه ، إن فاته الذوق هناك ، إلى