صديق الحسيني القنوجي البخاري
167
أبجد العلوم
أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق » انتهى . فتح : ومنها العلوم الآلية لا يوسع فيها الأنظار ، وذلك أن العلوم المتداولة على صنفين : علوم مقصودة بالذات ، كالشرعيات والحكميات . وعلوم هي آلة ووسيلة لهذه العلوم ، كالعربية والمنطق . فأما المقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة ، فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ملكته . وأما العلوم الآلية فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة للغير ولا يوسع فيها الكلام ، لأن ذلك يخرج بها عن المقصود ، وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها ، وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها ، فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يغني . وهذا كما فعله المتأخرون في النحو والمنطق وأصول الفقه ، لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا ، وأكثروا من التفاريع والمسائل بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها مقصودة بذاتها ، فيكون لأجل ذلك لغوا ومضرا بالمتعلمين لاهتمامهم بالمقصود أكثر من هذه الآلات ، فإذا أفنى العمر فيها فمتى يظفر بالمقاصد ؟ ! فيجب عليه أن لا يستبحر فيها ولا يستكثر من مسائلها . * * * المنظر التاسع في شروط الإفادة ونشر العلم وفيه فوائد فائدة . ( 1 ) [ أولى : ] اعلم أن الإفادة من أفضل العبادة ، فلا بد له من النية ليكون ذلك ابتغاء لمرضاة اللّه تعالى وإرشاد عباده . ولا يريد بذلك زيادة وحرمة ، ولا يطلب على إفادته أجرا اقتداء بصاحب الشرع عليه الصلاة والسلام . ثم ينبغي له مراعاة أمور منها : أن يكون مشفقا ناصحا بصاحبه . وأن ينبهه على غاية العلوم ، ويزجره عن الأخلاق الردية ، ويمنعه أن يتشوق إلى رتبة فوق استحقاقه . وأن يتصدى للاشتغال فوق طاقته . وأن لا يزجر إذا تعلم للرئاسة والمباهاة ، إذ ربما يتنبه بالآخرة لحقائق الأمور . بل ينبغي أن يرغب في نوع من العلم يستفاد به الرئاسة بالأطماع فيها حتى يستدرجه إلى الحق .