صديق الحسيني القنوجي البخاري
165
أبجد العلوم
اشتغل بآخر ، كما قال ابن عباس رضي اللّه عنه : إذا ملّ من الكلام مع المتعلمين : « هاتوا دواوين الشعراء » . فتح : ومنها اختيار معلم ناصح نقي الحسب ، كبير السن ، لا يلابس الدنيا بحيث تشغله عن دينه ، ويسافر في طلب الأستاذ إلى أقصى البلاد إن لم يكن ببلده الذي يسكن فيه ، ويقال : « أول ما يذكر من المرء أستاذه ، فإن كان جليلا جلّ قدره ، فإذا وجده يلقي إليه زمام أمره ويذعن لنصحه إذعان المريض للطبيب ، ولا يستبد بنفسه اتكالا على ذهنه ، ولا يتكبر عليه وعلى العلم ولا يستنكف ، لأنه قد ورد في الحديث : « من لم يتحمل ذلّ التعلم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبدا » . ومن الآداب احترام المعلم وإجلاله فمن تأذى منه أستاذه يحرم بركة العلم ، ولا ينتفع به إلا قليلا . وينبغي أن يقدم حقّ معلمه على حق أبويه وسائر المسلمين ، ومن توقيره توقير أولاده ومتعلقاته ، ومن تعظيم العلم تعظيم الكتب والشركاء . فتح : ومن الشروط أن يأتي على ما قرأه مستوعبا لمسائله من مبادئه إلى نهايته بتفهّم واستثبات بالحجج ، وأن يقصد فيه الكتب الجيدة ، وأن لا يعتقد في علم أنه حصل منه على مقدار لا يمكن الزيادة عليه ، وذلك طيش يوجب الحرمان . فتح : ومنها أن لا يدع فنا من فنون العلم إلا وينظر فيه نظر مطّلع على غايته ومقصده وطريقته . وبعد المطالعة في الجميع أو الأكثر إجمالا إن مال طبعه إلى فن عليه أن يقصده ولا يتكلف غيره ، فليس كل الناس يصلحون للتعلم ، ولا كل من يصلح لتعلم علم يصلح لسائر العلوم ، بل كلّ ميسر لما خلق له . وإن كان ميله إلى الفنون على السواء مع موافقة الأسباب ومساعدة الأيام طلب التبحر فيها ، فإن العلوم كلها متعاونة مرتبطة بعضها ببعض ، لكن عليه أن لا يرغب في الآخر قبل أن يستحكم الأول ، لئلا يصير مذبذبا فيحرم من الكل . ولا يكن ممن يميل إلى البعض ويعادي الباقي ، لأن ذلك جهل عظيم . وإياه أن يستهين بشيء من العلوم تقليدا لما سمعه من الجهلة ، بل يجب أن يأخذ من كلّ حظا ويشكر من هداه إلى فهمه . ولا يكن ممن يذم العلم ويعدوه لجهله ، مثل ذمهم المنطق الذي هو أصل كل علم وتقويم كل ذهن ، ومثل ذمهم العلوم الحكمية على الإطلاق من غير معرفة القدر المذموم والممدوح منها ، ومثل ذم علم النجوم مع أن بعضا منه فرض كفاية والبعض مباح ، ومثل ذم مقالات الصوفية لاشتباهها عندهم . والعلم وإن كان مذموما في نفسه كما زعموا فلا يخلو تحصيله من فائدة أقلها ردّ القائلين به .