صديق الحسيني القنوجي البخاري

164

أبجد العلوم

« ينبغي أن يكون الطالب شابا ، فارغ القلب ، غير ملتفت إلى الدنيا ، صحيح المزاج ، محبا للعلم بحيث لا يختار على العلم شيئا من الأشياء ، صدوقا ، منصفا بالطبع ، متدينا ، أمينا ، عالما بالوظائف الشرعية والأعمال الدينية ، غير مخل بواجب فيها ، ويحرم على نفسه ما يحرم في ملة نبيه ، ويوافق الجمهور في الرسوم والعادات ، ولا يكون فظا سيئ الخلق ، ويرحم من دونه في المرتبة ، ولا يكون أكولا ، ولا متهتكا ، ولا خاشعا من الموت ، ولا جامعا للمال إلا بقدر الحاجة ، فإن الاشتغال بطلب أسباب المعيشة مانع عن التعلم » انتهى . فتح : ومن الشروط تزكية الطالب عن الأخلاق الردية ، وهي متقدمة على غيرها كتقدم الطهارة ، فكما أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب كذلك العلم لا يدخل القلب إذا وجد فيه كلاب باطنية . وكانت الأوائل يختبرون المتعلم أولا فإن وجدوا فيه خلقا رديا منعوه لئلا يصير آلة الفساد ، وإن وجدوه مهذبا علموه ، ولا يطلقونه قبل الاستكمال خوفا على فساد دينه ودين غيره . فتح : ومنها الإخلاص في مقاساة هذا المسلك ، وقطع الطمع عن قبول أحد . فيجب أن ينوي في تعلمه أن يعمل بعلمه للّه تعالى ، وأن يعلم الجاهل ، ويوقظ الغافل ، ويرشد الغوي ، فإنه قال عليه السلام : « من تعلّم العلم لأربع دخل النار : ليباهي به العلماء ، وليماري به السفهاء ، وليقبل به وجوه الناس إليه ، وليأخذ به الأموال » . فتح : ومن الشروط تقليل العوائق حتى الأهل والأولاد والوطن ، فإنها صارفة وشاغلة : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ . ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق . وقد قيل : « العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك » فإذا أعطيته كلّك فأنت على خطر من الوصول إلى بعضه . فتح : ومنها ترك الكسل وإيثار السهر في الليالي ، ومن جملة أسباب الكسل فيه ذكر الموت والخوف منه ، لكنه ينبغي أن يكون من جملة أسباب التحصيل ، إذ لا عمل يحصل به الاستعداد للموت أفضل من العلم والعمل به ، والخوف منه لا ينبغي أن يتسلط على الطالب بحيث يشغله عن الاستعداد . وقوله عليه الصلاة والسلام : « أكثروا ذكر هاذم اللذات » . يدل على أنه ينبغي أن يكون ذكره سببا للانقطاع عن اللذات الفانية دون الباقية . فتح : ومن الشروط العزم والثبات على التعلم إلى آخر العمر ، كما قيل : « الطلب من المهد إلى اللحد » . وقال سبحانه وتعالى لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وقال : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ والحيلة في صرف الأوقات إلى التحصيل أنه إذا ملّ من علم