صديق الحسيني القنوجي البخاري
133
أبجد العلوم
والسيد « 1 » ، والسعد « 2 » ، والجلال « 3 » وأمثالهم ، فإن كلا منهم يجمع إلى تحرير المعاني تهذيب الألفاظ . وهؤلاء أحسنوا إلى الناس كما أحسن اللّه سبحانه وتعالى إليهم . وهذه لا يستغني عنها أحد . والثاني : من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة طالع الكتب فاستخرج دررها وأحسن نظمها ، وهذه ينتفع به المبتدئون والمتوسطون . ومنهم من جمع وصنف للاستفادة لا للإفادة فلا حجر عليه بل يرغب إليه إذا تأهل ، فإن العلماء قالوا : ينبغي للطالب أن يشتغل بالتخريج والتصنيف فيما فهمه منه إذا احتاج الناس إليه بتوضيح عبارته ، غير مائل عن المصطلح ، مبينا مشكله ، مظهرا ملتبسه كي يكسبه جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر . فينبغي أن يفرغ قلبه لأجله إذا شرع ، ويصرف إليه كل شغله قبل أن يمنعه مانع عن نيل ذلك الشرف . ثم إذا تم لا يخرج ما صنفه إلى الناس ولا يدعه عن يده إلا بعد تهذيبه وتنقيحه وتحريره وإعادة مطالعته فإنه قد قيل : الإنسان في فسحة من عقله وفي سلامة من أفواه جنسه ما لم يضع كتابا أو لم يقل شعرا . وقد قيل : من صنف كتابا فقد استشرف للمدح والذم ، فإن أحسن فقد استهدف من الغيبة والحسد ، وإن أساء فقد تعرض للشتم والقذف . قالت الحكماء : من أراد أن يصنف كتابا أو يقول شعرا فلا يدعوه العجب به وبنفسه إلى أن ينتحله ، ولكن يعرضه على أهله في عرض رسائل أو أشعار ، فإن رأى الأسماع تصغي إليه ورأى من يطلبه انتحله وادّعاه وإلا فليأخذ في غير تلك الصناعة . قف : ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقا ، ولا وجه لإنكاره من أهله ، وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار ، وللّه در القائل في نظمه : قل لمن لا يرى المعاصر شيئا * ويرى للأوائل التّقديما إنّ ذاك القديم كان حديثا * وسيبقى هذا الحديث قديما واعلم أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد ، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية ، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له ، وليس لأحد أن يزاحمه فيه ، لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر ، والفيض الإلهي ليس له انقطاع ولا آخر ، والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية ، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما لم يدخر لكثير من
--> ( 1 ) هو السيد الشريف الجرجاني . تقدمت ترجمته ص 19 حاشية 1 . ( 2 ) هو سعد الدين التفتازاني . تقدمت ترجمته ص 19 حاشية 2 . ( 3 ) هو جلال الدين الدواني . تقدمت ترجمته ص 35 حاشية 1 .