صديق الحسيني القنوجي البخاري
132
أبجد العلوم
ثم إن من آداب الشارح وشرطه أن يبذل النصرة فيما قد التزم شرحه بقدر الاستطاعة ، ويذبّ عما قد تكفّل إيضاحه بما يذب به صاحب تلك الصناعة ليكون شارحا غير ناقض وجارح ، ومفسرا غير معترض ، اللهم إلا إذا عثر على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح ، فحينئذ ينبغي أن ينبه عليه بتعريض أو تصريح متمسكا بذيل العدل والإنصاف متجنبا عن الغي والاعتساف ، لأن الإنسان محل النسيان ، والقلم ليس بمعصوم من الطغيان ، فكيف بمن جمع المطالب من محالها المتفرقة . وليس كل كتاب ينقل المصنف عنه سالما من العيب محفوظا له عن ظهر الغيب حتى يلام في خطئه ، فينبغي أن يتأدب عن تصريح الطعن للسلف مطلقا ويكني بمثل « قيل ، وظن ، ووهم ، وأعترض ، وأجيب ، وبعض الشراح ، والمحشي ، أو بعض الشروح ، والحواشي » ونحو ذلك من غير تعيين كما هو دأب الفضلاء من المتأخرين فإنهم تأنقوا في أسلوب التحرير وتأدبوا في الرد والاعتراض على المتقدمين بأمثال ما ذكر تنزيها لهم عما يفسد اعتقاد المبتدئين فيهم وتعظيما لحقهم ، وربما حملوا هفواتهم على الغلط من الناسخين لا من الراسخين . وإن لم يمكن ذلك قالوا : لأنهم لفرط اهتمامهم بالمباحثة والإفادة لم يفرغوا لتكرير النظر والإعادة . وأجابوا عن لمز بعضهم بأن ألفاظ كذا وكذا ألفاظ فلان بعبارته بقولهم : إنا لا نعرف كتابا ليس فيه ذلك ، فإن تصانيف المتأخرين بل المتقدمين لا تخلو عن مثل ذلك لا لعدم الاقتدار على التغيير بل حذرا عن تضييع الزمان فيه ، وعن مثالبهم بأنهم عزوا إلى أنفسهم ما ليس لهم بأنه إن اتفق فهو من توارد الخواطر كما في تعاقب الحوافر على الحوافر . * * * الترشيح الثالث : في أقسام المصنفين وأحوالهم اعلم أن المؤلفين المعتبرة تصانيفهم فريقان : الأول : من له في العلم ملكة تامة ، ودربة كافية ، وتجارب وثيقة ، وحدس صائب ، وفهم ثاقب . فتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي كالنصير « 1 » ، والعضد « 2 » ،
--> ( 1 ) هو نصير الدين محمد بن محمد بن الحسين الطوسي الفيلسوف . أصله من جهرود ساوة من أعمال قمّ ، وولد بطوس سنة 597 ، وتوفي ببغداد سنة 672 ه . له تصانيف عديدة منها : آداب المتعلمين ، وإثبات العقل الفعال ، وأخلاق الناصري ، وغيرها . انظر ترجمته في هدية العارفين ( 2 / 131 ) . ( 2 ) هو عضد الدين الإيجي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار المتوفى سنة 756 ه . وستأتي ترجمته في الجزء الثالث من هذا الكتاب ( ص 48 ) .