صديق الحسيني القنوجي البخاري
122
أبجد العلوم
الفصل الثالث في أهل الإسلام وعلومهم وفيه إشارات الإشارة الأولى : في صدر الإسلام اعلم أن العرب في آخر عصر الجاهلية حين بعث النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - قد تفرق ملكها وتشتت أمرها ، فضم اللّه سبحانه وتعالى به شاردها ، وجمع عليه جماعة من قحطان وعدنان ، فآمنوا به ورفضوا جميع ما كانوا عليه ، والتزموا شريعة الإسلام من الاعتقاد والعمل . ثم لم يلبث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - إلا قليلا حتى توفي وخلفه أصحابه رضي اللّه عنهم ، فغلبوا الملوك وبلغت مملكة الإسلام في أيام عثمان بن عفان من الجلالة والسعة إلى حيث نبه عليه الصلاة والسلام في قوله : « زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها » ، فأباد اللّه تعالى بدولة الإسلام دولة الفرس بالعراق وخراسان ، ودولة الروم بالشام ، ودولة القبط بمصر . فكانت العرب في صدر الإسلام لا تعتني بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها وبصناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجة الناس طرا إليها ، وذلك منهم صونا لقواعد الإسلام وعقائده عن تطرق الخلل من علوم الأوائل قبل الرسوخ والإحكام ، حتى يروى أنهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد . وقد ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ والعمل بكتاب اللّه تعالى وسنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - واستمر ذلك إلى آخر عصر التابعين . ثم حدث اختلاف الآراء وانتشار المذاهب فآل الأمر إلى التدوين والتحصين . * * * الإشارة الثانية : في الاحتياج إلى التدوين اعلم أن الصحابة والتابعين لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - وقرب العهد إليه ، ولقلة الاختلاف والواقعات ، وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات ، كانوا مستغنين عن تدوين علم الشرائع والأحكام ، حتى أن بعضهم كره كتابة العلم ، واستدل بما روي عن أبي سعيد الخدري أنه استأذن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - في كتابة العلم فلم يأذن له . وروي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة وقال : إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة . وجاء رجل إلى عبد اللّه بن عباس فقال : إني كتبت كتابا أريد أن أعرضه عليك ، فلما عرض عليه أخذ منه ومحا بالماء . فقيل