صديق الحسيني القنوجي البخاري
123
أبجد العلوم
له : لما ذا فعلت ؟ قال : لأنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم . واستدلّ أيضا بأن الكتاب مما يزاد فيه وينقص ويغيّر ، والذي حفظ لا يمكن تغييره ، لأن الحافظ يتكلم بالعلم والذي يخبر عن الكتابة يخبر بالظن والنظر . ولما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرقت الصحابة في الأقطار ، وحدثت الفتن واختلاف الآراء وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء ، أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن ، واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول ، وترتيب الأبواب والفصول ، وتكثير المسائل بأدلتها ، وإيراد الشبه بأجوبتها ، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات ، وتبيين المذاهب والاختلافات . وكان ذلك مصلحة عظيمة وفكرة في الصواب مستقيمة ، فرأوا ذلك مستحبا بل واجبا لقضية الإيجاب المذكور مع قوله صلّى اللّه عليه وسلم - : « العلم صيد والكتابة قيد قيّدوا رحمكم اللّه تعالى علومكم بالكتابة » الحديث . قلت : ولعل هذا الحديث لم يصح . * * * الإشارة الثالثة : في أول من صنف في الإسلام اعلم أنه اختلف في أول من صنف ، فقيل : الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفى سنة خمس وخمسين ومائة . وقيل : أبو النضر سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة ست وخمسين ومائة ، ذكرهما الخطيب البغدادي . وقيل : ربيع بن صبيح المتوفى سنة ستين ومائة قاله أبو محمد الرامهرمزي . ثم صنف سفيان بن عيينة ، ومالك بن أنس بالمدينة المنورة ، وعبد اللّه بن وهب بمصر ، ومعمر وعبد الرزاق باليمن ، وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة ، وحمّاد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة ، وهشيم بواسط ، وعبد اللّه بن مبارك بخراسان . وكان مطمح نظرهم ومطرح بصرهم بالتدوين ضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيهما ، ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما . * * * الإشارة الرابعة : في اختلاط علوم الأوائل والإسلام اعلم أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأموية ، ولما ظهر آل العباس كان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور ، وكان رحمه اللّه تعالى - مع براعته في الفقه - مقدما في علم الفلسفة وخاصة في النجوم محبا لأهلها ، ثم لما أفضت الخلافة إلى السابع عبد اللّه المأمون بن الرشيد تمم ما بدأ به جدّه ، فأقبل على طلب العلم في