صديق الحسيني القنوجي البخاري
111
أبجد العلوم
والخط الكوفي معروف الرسم لهذا العهد . ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك وافتتحوا إفريقية والأندلس ، واختط بنو العباس بغداد وترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استبحرت في العمران وكانت دار الإسلام ومركز الدولة العربية ، وكان الخط البغدادي معروف الرسم ، وتبعه الإفريقي المعروف رسمه القديم لهذا العهد ويقرب من أوضاع الخط المشرقي ، وتحيز ملك الأندلس بالأمويين فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط ، فتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد . وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر ، وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم ، وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها ، وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له ، وتنافس أهل الأقطار في ذلك وتناغوا فيه . ثم لما انحلّ نظام الدولة الإسلامية وتناقصت تناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة . فانتقل شأنها من الخط والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة ، فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد وله بها معلمون يرسمون لتعليم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم ، فلا يلبث المتعلم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع ولقد لقنها حسا وحذق فيها دربة وكتابا وأخذها قوانين علمية فتجيء أحسن ما يكون . وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ومن خلفهم من البربر ، وتغلبت عليهم أمم النصرانية فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية من لدن الدول اللمتونية إلى هذا العهد ، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع ، وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفي عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما ، وصارت خطوط أهل إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها عند الجالية من شرق الأندلس ، وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتّاب الأندلس ولا تمرسوا بجوارهم إنما كان يفدون على دار الملك بتونس فصار خط أهل إفريقية من أحسن خطوط أهل الأندلس . حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشيء وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط وفسدت رسومه وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران ، وبقيت فيه آثار الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك لما قيل من أن الصنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها . وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريبا واستعمالهم إياهم سائر