صديق الحسيني القنوجي البخاري
112
أبجد العلوم
الدولة ، ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كأنه لم يعرف . فصارت الخطوط بإفريقية والمغربين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة ، وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة حتى لا تكاد تقرأ إلا بعد عسر ، ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع بنقص الحضارة وفساد الدول ، واللّه أعلم » « 1 » . قف : إن الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب وذلك « « 2 » أن النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه بالقوة ، وإن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فتكون ذاتا روحانية ، وتستكمل حينئذ وجودها . فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا ، والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة . فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا ، والملكات الصناعية تفيد عقلا ، والحضارة الكاملة تفيد عقلا ، لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم ، ثم القيام بأمور الدين واعتبار آدابها وشرائطها . وهذه كلها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة عقل . والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك لأنها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف سائر الصنائع . وبيانه أن في الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال ، ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس ويكون ذلك دائما فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات ، وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة ، فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل ، ويحصل به قوة فطنة وكيس في الأمور لما تعوّدوه من ذلك الانتقال . ولذلك قال كسرى في كتّابه لما رآهم بتلك الفطنة والكيس « ديوانه » أي شياطين وحنون « 3 » . قالوا : وذلك أصل اشتقاق الديوان لأهل الكتابة . ويلحق بذلك الحساب فإن في صناعة الحساب نوع تصرف في العدد بالضم والتفريق يحتاج فيه إلى استدلال كثير فيبقى متعودا للاستدلال والنظر وهو معنى العقل . واللّه أعلم بالصواب » « 4 » .
--> ( 1 ) آخر ما نقله من مقدمة ابن خلدون ( ص 449 ) . ( 2 ) انظر الفصل الثالث والثلاثين من مقدمة ابن خلدون ( ص 458 ، 459 ) . ( 3 ) الحنون ( بالماء المهملة ) : جمع حنّ ؛ وهو ضرب من الجنّ . ( 4 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 459 ) .