عيسى البندنيجي القادري
65
جامع الأنوار في مناقب الأخيار
مكة خوفا على نفسه ، فراسله أهل الكوفة على أن يأتيهم فيبايعوه ، ويمحي ما هم فيه من الجور ، ويقوم بأمر المسلمين على أحسن الوجوه ، وأرسلوا إليه رسائل عديدة في ذلك ، فأجابهم وعزم على ما هنالك فنهاه ابن عباس وبيّن له غدرهم لأبيه وخذلانهم لأخيه وقال له إن لم تمتنع عن ذلك فلا تذهب إليهم بأهلك وعيالك ، فبكى ابن عباس وهو يقول ، وا حسيناه وا حبيباه ، وقال له ابن عمر رضي الله عنهما ، نحو ذلك فقبل ما بين عينيه وقال أستودعك الله من قتيل ، ونهاه « 1 » ابن الزبير رضي الله عنهما أيضا ، فقال له حدثني أبي أن بمكة كبشا به تستحل حرمتها ، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش ، ولم يبق بمكة أحد إلا وهو محزون لمسيره ، ولما بلغ سيره أخاه محمد بن الحنفية ، بكى عليه حتى ملأ من دموع عينيه طشتا كان يتوضأ فيه بين يديه ، وقدم أمامه مسلم بن عقيل ، فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفا وقيل أكثر من ذلك ، فأرسل إليه يزيد عبيد الله بن زياد فقتله ، وسار الحسين غير عالم بذلك فلقي الفرزدق في مسيره فقال له بين لي خبر الناس ، فقال : أجل على الخبير سقطت يا ابن رسول الله ، قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء « 2 » ولما صار على ثلاثة أميال من القادسية ، تلقاه الحر « 3 » بن يزيد التميمي ، وقال له ارجع فما تركت لك خلفي خيرا ترجوه ، وأخبره بقتل مسلم وقدوم عبيد الله بن زياد ، واستعداده لقتاله ، فهم بالرجوع فقال أخوا مسلم « المقتول وهما عبد الله وعبد الرحمن » ، لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا أو نقتل ، فقال الحسين لا خير في الحياة بعدكم ثم سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد ، فعدل إلى كربلاء ، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل ، فلما وصلوا إليه طلبوا منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد ، فأبى فقاتلوه ،
--> ( 1 ) وفي مروج الذهب 2 / 42 ، لم يكن شيء يؤتاه أحب إليه من شخوص الحسين عن مكة ، وانظر كذلك شرح النهج 20 / 134 وتاريخ الطبري 5 / 383 . ( 2 ) الخبر في الطبري 5 / 386 . ( 3 ) في الأصل « الحزين » والتصويب عن مروج الذهب 2 / 46 وتاريخ الطبري 5 / 389 .