عيسى البندنيجي القادري
66
جامع الأنوار في مناقب الأخيار
وكان أكثر الخارجين لقتاله من راسله وبايعه فلما جاءهم أخلفوه ما وعدوه ، وفرّوا عنه إلى أعدائه ، فحارب ذلك العدو الكثر ، والجم الغفير ومعه من أهله نيف وثمانون واثنان وسبعون نفسا ، فثبت في ذلك الموقف ثباتا باهرا ولم يتزلزل فيه أولا وآخرا ، ولولا أنهم حالوا بينه وبين الماء لاذاقهم بعض كؤس الفناء ولما قدروا عليه ولا وقفوا بين يديه كف والشجاعة انتهت بالوراثة إليه ولما منعوه وأصحابه الماء ، فقال له بعضهم ، انظر إليه كأنه كبد السماء ، ولا تذق منه قطرة ، حتى تموت عطشا ، فقال الحسين اللهم اقتله عطشا ، فلم يرو مع كثرة شربه للماء حتى مات عطشا ، ودعا الحسين بماء ليشربه فحال رجل بينه وبين الماء بسهم ضربه فأصاب حنكه ، فقال اللهم أظمئه ، فصار يصيح الحر في بطنه والبرد في ظهره ، وبين يديه الثلج والمراوح وخلفه الكانون وهو يصيح العطش ، فيؤتى إليه بسويق وماء ولبن لو شربه خمسة لكفاهم ، فيشربه ثم يصيح فيسقى كذلك إلى أن أنفذ بطنه ، ولما استمر القتل في أهله فإنهم لا يزالون يقاتلون فيقتلون واحدا بعد واحد حتى قتل منهم ما يزيد على الخمسين ، صاح أما ذاب يذب عن حريم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فخرج الرياحي « 1 » من عسكر الأعداء راكبا فرسه ، وقال يا ابن رسول الله لئن كنت أول من خرج عليك فإنني الآن من حزبك ، لعلي أنال شفاعة جدك بذلك ، فقاتل بين يديه حتى قتل ثم فني أصحابه ، وبقي بنفسه فحمل عليهم بسيفه يصول ويعدّ مفاخره ويقول : أنا ابن علي الخير من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وفاطمة أمي سلالة أحمد * وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى والوحي والخير يذكر فقتل كثيرا من شجعانهم ، وأباد جمعا من فرسانهم ، فكثروا عليه حتى
--> ( 1 ) في الأصل يزيد بن الحارث الرياح ، والصواب هو الحر بن يزيد التميمي اليربوعي الذي استشهد مع المسلمين ( رض ) سنة 61 ه / 680 م .