عيسى البندنيجي القادري

55

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

القدسي ، كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لأعرف فالعارف الكامل خير من الناقص حيّا وميّتا ، وفي الباب كلام لا يليق بهذا المقام وقال أبو عبيدة رضي الله عنه : ارتحل علي عن تسع كلمات ، قطع الأطماع عن اللحاق بواحدة منهن ، ثلاث في المناجاة ، وثلاث في العلم ، وثلاث في الأدب ، فأما التي في المناجاة ، فهو قوله : كفاني عزا أن تكون لي ربا ، وكفاني فخرا أن أكون لك عبدا ، أنت لي كما أحب ، فوفّقني لما تحب ، وأما التي في العلم فقوله : المرء مخبوء تحت لسانه ، تكلموا تعرفوا ، ما ضاع امرؤ عرف قدره ، وأما التي في الأدب ، فقوله أنعم على من شئت تكن أميره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، وكان يقول : الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على مخالطة الكلاب ، وكان يقول : إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها ، ثم قالت يا رب هبني لبعض أوليائك ، فيقول الله عزّ وجل لها ، اذهبي يا لا شيء ، فلأنت أهون من أن أهبك لبعض أوليائي ، فتطوى كما يطوى الثوب الخلق فترمى في النار ، وكان يقول : لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ، وكان يقول : لا يستح من لا يعلم أن يتعلم ، ولا يستح من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم ، وكلامه في هذه الأساليب البديعة كثير واستقصاؤه يفضي إلى الإطناب ، وذكر في تاريخ عزيز أفندي ، أنه لما استشهد الإمام عثمان رضي الله عنه سنة ثلاث وثلاثين ، وقع الإجماع على خلافة علي رضي الله عنه ، وكانت مدة خلافته خمس سنين ، قلت : ما نقله المؤلف من التاريخ المذكور ليس بصواب ، ولعله من السهو في الأصل أو في النقل ، أو من طغيان القلم فيهما ، والصواب على ما هو مذكور في التواريخ المعتبرة إن عثمان رضي الله تعالى عنه استشهد في ذي الحجة أثناء أيام التشريق سنة خمس وثلاثين ، وبويع لعلي بالخلافة في تلك السنة ، فاستمر على الخلافة إلى تاسع شهور سنة أربعين ، فمدة خلافته رضي الله عنه ، أربع سنين وتسعة أشهر ، وكان عمره ثلاثا وستين سنة ، والله تبارك وتعالى أعلم .