عيسى البندنيجي القادري

21

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

القدس ، ومحاضر الأنس ، على معارج الفضل والإحسان ، ورفعت سرائرهم على سرر التحبيب ، وأجبلت ضمائرهم في مضامير التقريب ، وأطلق لها العنان ، وأدير عليهم في منتدى الوصال بأيدي ساقي العز والدلال كئوس اللطف والجمال من أرق خمور الدنان . فهم دعاة مجابون محبوبون مجذوبون ، فالسابقون السابقون أولئك هم المقربون بمحجن الجذب والاحجان ، عرشيون بالأرواح ، فرشيون بالأشباح ، سماويون بالقلوب ، أرضيون بالأبدان ، ومحبون بذلوا نفوسهم في محبة مولاهم فأذابوها بنيران الرياضات « 1 » ، وأغلوها بالحبس عن لذة الشهوات بل بترك الالتفات إليها بالبصر والجنان ظمئوا في الهواجر ، وسهروا في الدياجر ، وطهروا العيون والمحاجر ، بفيض يحب الأجفان عبدوا ربهم بمخالفة هوى النفوس ، وخرجوا من عالم الحس والمحسوس ، سائرين بقلوبهم إلى الجناب المقدس المحروس ، طائرين بأسرارهم إلى المقام الأرفع المأنوس ، بأجنحة العلم والعمل والوجد والعرفان ففتح لهم أبواب الكشف « 2 » والمشاهدة عند العكوف على أعتاب المعاملة والمجاهدة ، وناداهم فأدناهم ، وناجاهم فأنجاهم من موجبات البعد والحرمان ، وحفظ بهؤلاء الأحباء والأولياء كنوز أسرار حقائق الشريعة الغراء عن مطاعن الجهلة والعميان . كما أحكم أحكامها ورفع أعلامها وعمّر مدارسها وزيّن مجالسها بأهلّة العلماء الأعيان ، فقاموا بإعلاء كلمتها وتحرير أصولها وأدلتها ، ونشر آثارها في البلدان ، دافعين بصوارم العلم الشريف أباطيل أهل الزيغ والبطلان ، قامعين بمعاوله أراجيف أهل المين والبهتان ، كيف لا وهم ورثة الأنبياء ، وإن الله تعالى أثنى عليهم بأجمل الثناء ، بقوله « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » « 3 » ، والنبي صلّى الله عليه وسلم بقوله :

--> ( 1 ) يعرف الصوفيون الرياضة بأنها المجاهدة والأدب مع الله ، أي البعد عن الخواطر الشيطانية ، وذلك بتجنب الشهوات ، ومخالفة أهواء النفس ( معجم ألفاظ الصوفية ص 163 ) . ( 2 ) يقال عن الصوفية كشف عنه الحجاب ، أي حجاب الظلمة ، فرأى الحقائق ، فهي مكاشفة لا بعين البصر ولكن بعين البصيرة ( معجم ألفاظ الصوفية ص 242 ) . ( 3 ) سورة فاطر الآية 28 .