عيسى البندنيجي القادري
20
جامع الأنوار في مناقب الأخيار
الرفيعة الشأن . وأجلسه على سرير تلك الخلافة العامة ، ورفعه على عرش المطهّرية التامة ، وأمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا الشيطان ثم أوجد ذريته منقسمة إلى أقسام ومتفرقة إلى فرق وأقوام ، ووهب كلا بحكمته الأزلية ما يليق باستعداده التام ، فلم يكن في الإمكان أبدع مما كان فجعل منهم رسلا وأنبياء . وصيّر صدورهم حياض ورياض الاصطفاء ، وقلوبهم حدائق حقائق أسرار الإيحاء ، ونضّر عالم الشهادة بأزهار شرائعهم ، وكساه حلل البهاء ، ونوّر بأنوار طرائقهم أرجاء الأرض والسماء ، وأروى من مناهل سننهم كل وارد وضمآن . واختار منهم من نما شرفا وفضلا . وسما جنسا ونوعا وفضلا . وزكي نفسا وفرعا وأصلا . أول المظاهر الكاملة ، وأكمل النفوس الفاضلة عنصر التعينات المفاضة النازلة ، للفصل والفرقان . المسرى به على براق الجذب والحب إلى حضرات القدس والقرب ، فشرّف بأسفل نعليه علو قدر كيوان المنادي بأشرف الأوصاف والنعوت ، المشافه بالمكالمة في قاب قوسين أو أدنى من حضرة اللاهوت ، المتلذذ في تلك الحضرة بالشهود والعيان ، الخاتم الذي هو لديوان الرسالة أشرف عنوان والمقطع الذي لقصيدة النبوة مطلع لا يفي ببديع معاني حسنه بيان ، المراد « 1 » الذي لظهوره دارت الأفلاك ، ولنوره سجدت الأملاك ، ولأجله رفع عن أمته الخطأ والنسيان ، والمريد « 2 » الذي أعطي بلا سؤال ، ونال نعيم الوصال ، وما قيل له لن تران . محمد الذي عجز عن إحصاء أوصافه أولو الفصاحة واللسان ، وكلّ عن إدراك حقيقة ذاته ذوو العقول والأذهان ، صلّى الله عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين إلى مدى الأزمان . وجعل من أمم هؤلاء الأكارم محبوبين أتتهم يد الحب والجذب من عالم الغيب ، وأخذت بأيدي قلوبهم عن مضائق مسالك الريب . وعرّج بهم إلى منابر
--> ( 1 ) المراد ، مصطلح صوفي ، فحين يصل المريد إلى الدرجة التي يكون فيها أفعاله خالصة لله تعالى وطاعته ، لا يرى سواه من الخلق والمخلوقات . يكون حينئذ مراد الله القريب من رحمته ولطفه ؛ معجم ألفاظ الصوفية ص 262 . ( 2 ) المريد ، يراد به الذي اتجه بكليته لله سبحانه ، وتحرر من قيود الهوى والشهوة ، وكابد وجاهد حتى تولته رعاية الله تعالى ( معجم ألفاظ الصوفية ص 263 ) .